{ واذكروا إذ أنتم قليل مُستضعفون في الأرض } أرض مكة يستضعفكم قريش ، والخطاب للمهاجرين . وقيل للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم { تخافون أن يتخطّفكم الناس } كفار قريش أو من عداهم فإنهم كانوا جميعا معادين لهم مضادين لهم . { فآواكم } إلى المدينة ، أو جعل لكم مأوى تتحصنون به عن أعاديكم . { وأيّدكم بنصره } على الكفار أم بمظاهرة الأنصار ، أو بإمداد الملائكة يوم بدر . { ورزقكم من الطيبات } من الغنائم . { لعلكم تشكرون } هذه النعم .
واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض : واذكروا وقت أن كنتم قلة أذلة ، مستضعفين في مكة ، تستذلكم قريش .
تخافون أن يتخطفكم الناس : تخشون لهوانكم وذلتكم أن يتخطفكم من استضعفوكم من قريش فلا تملكون أن تدافعوا عن أنفسكم .
فآواكم : فجعل لكم المدينة مأوى تهاجرون إليه وتتحصنون فيه .
وأيدكم بنصره : وقواكم على الكفار بتأييد الأنصار ، وإمداد الملائكة .
ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون : وأعطاكم طيبات الرزق من الغنائم لتشكروا الله على فضله .
26 – { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض . . . } الآية .
واذكروا أيها المؤمنون حالكم في مكة قبل الهجرة وقت أن كنتم عددا قليلا أذلة مستضعفين بالنسبة إلى قريش وقوتهم وبطشهم ، تعيشون في استكانة ورعب وفزع ، لا أمن لكم ولا اطمئنان ، وتخافون أن يتخطفكم الناس من قريش ويأخذوكم ليسوموكم العذاب والهوان ، فمن الله عليكم وآواكم في المدينة ، وجعلها لكم مأوى تنزلون فيه وتتحصنون من أعدائكم ، وشد أزركم بالأنصار ، وأيدكم بالملائكة في بدر ، وقواكم بنصركم عليهم ، وجعل لكم من الغنائم طيبات من الرزق ؛ لتشكروه على عظيم فضله ، وعميم فيضه .
26 وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
يقول تعالى ممتنا على عباده في نصرهم بعد الذلة ، وتكثيرهم بعد القلة ، وإغنائهم بعد العيلة .
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ أي : مقهورون تحت حكم غيركم تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي : يأخذونكم .
فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فجعل لكم بلدا تأوون إليه ، وانتصر من أعدائكم على أيديكم ، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به أغنياء .
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اللّه على منته العظيمة وإحسانه التام ، بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا .
{ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) }
واذكروا أيها المؤمنون نِعَم الله عليكم إذ أنتم ب " مكة " قليلو العدد مقهورون ، تخافون أن يأخذكم الكفار بسرعة ، فجعل لكم مأوى تأوون إليه وهو " المدينة " ، وقوَّاكم بنصره عليهم يوم " بدر " ، وأطعمكم غنيمتهم حلالا ؛ لكي تشكروا له على ما رزقكم وأنعم به عليكم .
قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض } ، يقول : اذكروا يا معاشر المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد ، مستضعفون في أرض مكة ، في ابتداء الإسلام . قوله تعالى : { تخافون أن يتخطفكم الناس } ، يذهب بكم الناس ، يعني : كفار مكة ، وقال عكرمة : كفار العرب ، وقال وهب : فارس والروم .
قوله تعالى : { فآواكم } ، إلى المدينة .
قوله تعالى : { وأيدكم بنصره } ، أي : قواكم يوم بدر بالأنصار ، وقال الكلبي : قواكم يوم بدر بالملائكة .
قوله تعالى : { ورزقكم من الطيبات } ، يعني : الغنائم ، التي أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم .
قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطبيات لعلكم تشكرون } ذلك خطاب للمؤمنين المهاجرين . فالله يذكرهم ؛ إذ كانوا قلة مستضعفين في مكة ف ابتداء الإسلام ، وكانوا مقهورين أذلة ، والدنيا من حولهم تموج بالظلم والكفر { تخافون أن يتخطفكم الناس } التخطف ، معناه الانتزاع والأخذ بسرعة . وذلك تصوير كاشف أبلج لحال المسلمين في مكة ، إذ كانوا في غاية القلة والذلة والخوف ، والمشركون من حولهم يتربصون بهم تربصا ، ويوشك أن يميلوا عليهم ميلة واحدة فيبددوهم أو يستأصلوهم . لكن الله سلم فصان المسلمين ورعاهم ، ورد عنهم سطوة الكافرين الظالمين وكيدهم . وهو قوله : { فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات } فقد جعل الله لكم مأوى آمنا حريزا تثوبون إليه وتسكنون فيه هي المدينة { وأيدكم بنصره } أي قواكم بالنصر الذي كتبه لكم في بدر . وأحل كم الغمائم المستفادة من الكافرين الظالمين الذين لا يستحقون المال . بل يجب تجريدهم من المال إلا ما يسد خلتهم ( حاجتهم ) . وما فوق حاجتهم من أموال طائلة كاثرة إنما يستعملونه في الإفساد والكيد والخيانة والدسائس وإشاعة الشرور والرذائل والفوضى في الأرض .
إن هؤلاء الضالين الذين يعيثون في الدنيا الخراب والفساد والفتن أحرى أن لا يملكوا المال فيتمكنوا به من الإيذاء والتخريب وافتعال المكائد والمؤامرات بين الشعوب والأمم . إن من دواعي المنطق أن تصان هذه الأموال بأيدي المؤمنين السائرين على منهج الله الحق ، ومنهج الإسلام ؛ فهم المؤتمنون على البشرية في صونها ورعايتها وتكريمها وإشاعة الرحمة والحق فيها . لا جرم أن الإسلام والمسلمين أحرص من في الدنيا طرا على الرحمة بالخليقة ، وعلى دفع الأذى والشر عنها لتعيش آمنة سالمة مطمئنة .
فلا ينبغي في ضوء هذا التصور السليم أن تضل الأموال بأيدي الأشرار من البشر ، أولئك الضالعون في الظلم والرجس والتخريب . بل ينبغي أن تنتزع منهم هذه الأموال انتزاعا لتصان في أيدي المؤمنين الحقيقين المؤتمنين على البشرية في أموالها وكراماتها وأوطانها وأديانها .