{ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته . { فتمسّكم النار } بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ، ثم بالميل إليهم كل الميل ، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه ، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه . وقرئ { تِركَنُوا } " فتِمَسَّكُمْ " بكسر التاء على لغة تميم و{ تركنوا } على البناء للمفعول من أركنه . { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال . { ثم لا تُنصَرُون } أي ثم لا ينصركم الله إذا سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم ، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم ، ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد ، فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا .
ولا تركنوا : أي : لا تميلوا إليهم أدنى ميل ، والركون : الميل اليسير .
إلى الذين ظلموا : لا تميلوا إلى الظالمين بمودة ، أو مداهنة ، أو رضي بأعمالهم .
113 { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ . . . } الآية .
ولا تميلوا أدنى ميل إلى الظالمين ؛ بمشاركتهم أو معونتهم أو الميل إليهم بقلوبكم ؛ بل يجب بغض الظالم ، والبعد عنه . فإذا خالط الإنسان الظالم للضرورة . أو لتوجيهه وتحذيره ؛ فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى " وقد تضمنت الآية صراحة : بيان عاقبة الركون إلى الظلمة ، وهي الإحراق بالنار ؛ بسبب مخالطتهم أو مصاحبتهم ، وممالأتهم على ما هم عليه ، وموافقتهم في أمورهم والظلمة هم أعداء المؤمنين من المشركين ، أو كل ظالم ، سواء أكان كافرا أو مسلما ؛ والرأي الثاني أصح ؛ لأن الأخذ بعموم الكلام أولى " . 74
{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } .
والركون المنهي عنه هو : الرضا بما عليه الظلمة ، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب ، فأما مداخلتهم ضرر ، واجتلاب منفعة عاجلة ؛ فغير داخلة في الركون . 75
وقد حذر القرآن الكريم من الظلم ، والركون إلى الظلمة ، كما حذرت السنة المطهرة من عاقبة الظلم ، وفي الحديث الشريف : ( اتقوا الظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ، 76 وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . . . ) . 77
وفي الحديث القدسي أيضا يقول الله تعالى : " ثلاث لا أراد لهم دعوة ، دعوة الوالد لولده ، ودعوة الصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم ترفع فوق السماء ، ويفتح لها الحجاب ، ويقول الله تعالى : وعزتي وجلالي ، لأنصرنّك ولو بعد حين ) ! 78
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** الظلم شيمته يدعو إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
" الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم ، والتهديد عليه ؛ لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا ؛ فكيف يكون حال من ينغمس في حمأته ؟ ! .
ثم قال : وقد وسع العلماء في ذلك وشددوا ، والحق أن الحالات تختلف ، والأعمال بالنيات ، والتفصيل أولى ، فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو للاستعانة على إحقاق الحق ، أو جلب الخير ، فلا حرج في ذلك ، وإن كانت لإيناسهم ، وإقرارهم على ظلمهم فلا . . . " .
{ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } .
وليس لكم غير الله أنصار أبدا ينفعونكم ، ويمنعون العذاب عنكم حتى هؤلاء الذين ركنتم إليهم .
{ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } . ثم لا ينصركم الله ، ولا تجدون من ينصركم ؛ لأن الله لا ينصر الظالمين ، قال تعالى : { وما للظالمين من أنصار } . ( البقرة : 270 ) .
وقال سبحانه : { وما للظالمين من نصير } . ( الحج : 71 ، فاطر : 37 ) . فعلى المسلمين أن يعتمدوا على ربهم ، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، وأن يحذروا هؤلاء الظالمين ، وأن يحولوا بينهم وبين الظلم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه ؛ يوشك أن يعمهم الله بعقابه ) . رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.