أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{۞ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (35)

{ الله نور السماوات والأرض } النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم ، أو على تجوز إما بمعنى منور السماوات والأرض وقد قرئ به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء . أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور . أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم ، والله سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه . أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات ، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل ، ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا ، ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه ولاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما . { مثل نوره } صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره . { كمشكاة } كصفة مشكاة ، وهي الكوة الغير النافذة . وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة . { فيها مصباح } سراج ضخم ثافب ، وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة . { المصباح في زجاجة } في قنديل من الزجاج . { الزجاجة كأنها كوكب دري } مضيء متلألئ كالزهرة في صفاته وزهرته منسوب إلى الدر أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه ، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل ، وقراءة أبي عمرو والكسائي " دريء " كشريب وقد قرئ به مقلوبا . { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } أي ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد وحمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى { الزجاجة } بحذف المضاف ، وقرئ " توقد " من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب . { لا شرقية ولا غربية } تقع الشمس عليها حينا بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة ، أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى ، أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون ، أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها أو في مقيأة تغيب عنها دائما فتتركها نيئا وفي الحديث " لا خير في شجرة ولا بات في مقيأة ولا خير فيهما في مضحى " { يكاد زيتها يضيء ولم تمسسه نار } أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه { نور على نور } نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته ، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه ، الأول : أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة ، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح ، وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه ، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس ، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبي : " مثل نور المؤمن " ، أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي : الحساسة التي تدرك بها المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم ، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى : { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي : " المشكاة " ، و " الزجاجة " ، و " المصباح " ، و " الشجرة " ، و " الزيت " ، فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات ، والعاقلة كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية والمعارف الإلهية ، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين ، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفاتها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم ، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار ، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت ، وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه ، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح ، فإذا استحضرتها كانت نورا على نور . { يهدي الله لنوره } لهذا النور الثاقب . { من يشاء } فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها . { ويضرب الله الأمثال للناس } إدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا . { والله بكل شيء عليم } معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا ، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ولمن لم يكترث بها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (35)

آية النور :

{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) } .

تمهيد :

بعد أن ذكر – سبحانه – أنه أنزل في هذه السورة آيات مبينات لكل ما يحتاج إليه الناس في صلاح أمورهم ، من الشرائع والأحكام والآداب والأخلاق ، بين أنه نور السماوات والأرض ، بما بث فيهما من الآيات الكونية ، والآيات التي أنزلها على رسله .

التفسير :

35 - اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية .

نور : أي : ذو نور ، أي : هو هاد أهل السماوات والأرض ، والمراد : العالم كله .

مشكاة : لفظ حبشي معرب ، يراد به الكوة غير النافذة .

الزجاجة : القنديل من الزجاج .

الدري : المضيء المتلألئ ، منسوب إلى الدر .

لا شرقية ولا غربية : أي : ضاحية للشمس لا يظلها جبل ولا شجر ، ولا يحجبها عنها شيء من الشروق إلى الغروب .

يضرب الله الأمثال : يبين للناس الأشباه والأمثال .

لقد رفع الله السماء ، وبسط الأرض ، ونظم الكون ، وأحكم قوانين الحياة .

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . .

أي : أنه – سبحانه – صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما ، وكمال تدبيره – عز وجل – لمن فيهما ، كما يقال : الملك نور البلد ، كما قال الحسن ومجاهد والأزهري والضحاك وابن جرير199 . فإذا رأيت الشمس ساطعة تملأ الكون بالنور والدفء والضياء ، فذلك بفضل الله نور السماوات والأرض ، وإذا رأيت القمر هلالا ثم يكبر فيصير بدرا كاملا ، فذلك بفضل الله نور السماوات والأرض ، وإذا رأيت الأشجار والأزهار والبحار والطيور ، والهواء والفضاء والليل والنهار ، وكل شيء في الكون يؤدي دوره بنظام وكمال ودقة ، فذلك بفضل الله نور السماوات والأرض .

وفي الصحيحين ، عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يقول : ( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ضياء السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد لا إله إلا أنت ، وعدك حق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنبيون حق ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم حق )200 .

وكلمة ( النور ) تستعمل للعلم أيضا ، كما يعبر عن الجهل بالظلمة ، فالله – سبحانه وتعالى – نور الكون بمعنى أنه لا يمكن أن تعرف الحقائق معرفة مباشرة في هذا الكون إلا به – سبحانه وتعالى – وإلا فإنه لا يمكن أن يكون فيه شيء غير ظلمة الجهل والضلالة بدون الارتشاف من فيض كرمه وهدايته .

وقال الزمخشري :

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . أي : ذو نور السماوات ، وصاحب نور السماوات والأرض ، وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين : إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو ضوئه حتى تضيء له السماوات والأرض ، وإما أن يراد أن أهل السماوات والأرض يستضيئون بنوره أو به ، أي : هو النور201 .

الاتجاه إلى التجسيم :

قال هشام الجواليقي : إنه – سبحانه – نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام ، وبهذا قال طائفة من المجسمة202 .

وهذا اتجاه غريب على الفكر الإسلامي ، فالله تعالى علة العلل ، وهو – سبحانه – منزه عن الكيف والكم ، والطول والعرض ، وهو يخلق لا يخلق ، وهو يجير ولا يجار عليه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) فادعاء طائفة من المجسمة بأن الله نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام خطأ فاحش .

وقد ادعى بعضهم أن لله يدا وفما وأضراسا ولهوات وغير ذلك – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – وإذا علمنا أن آيات القرآن ذكرت أن لله يدا ووجها مثل : يد الله فوق أيديهم . . . ( الفتح : 10 ) . ومثل قوله تعالى : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . ( الرحمن : 27 ) .

فإن الصحابة – رضوان الله عليهم – قد فهموا هذه النصوص على نحو يليق بذاته تعالى وأيقنوا أنها تشير إلى قدرة الله وجلاله وبقائه وسائر كمالاته .

ولذلك لم يؤثر أن أحدا من الصحابة سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تفسير أي آية من هذه الآيات ، التي سميت بآيات الصفات ، لأنها تصف الله تعالى بالسمع والبصر والفوقية وغيرها .

فهم المسلمون منها كمال الله وجلاله وقدرته ، وإحاطة علمه وسمعه ورؤيته لسائر الموجودات ، ولم يسألوا عن تحديد ذلك ، بل أيقنوا بالإيمان بالله وبصفاته وكمالاته ، واستمر المسلمون على ذلك في حياة الخلفاء الراشدين ، ثم لما دخل في الإسلام كثير من أصحاب الديانات الأخرى ، وترجمت الفلسفة اليونانية ، رأينا أصحاب المذاهب المنحرفة التي كانت تنسب إلى الآلهة الجمال والشكل ، والقوام والحواس ، تسقط هذه المعاني على صفات الله تعالى في الفكر الإسلامي ، وكان اتجاها منحرفا قاومه المؤمنون .

والآن يهيب العلماء بنا أن نعود إلى طريقة القرآن في التفكير ، فنصف الله تعالى بالكمالات بدون تشبيه ولا تجسيم .

يقول المودودي :

والمراد بالنور ما تظهر به الأشياء ، أي : ما كان ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره ، هذا هو المفهوم الحقيقي للنور في ذهن الإنسان . فهو يعبر بالظلام عن كيفية عدم رؤيته شيئا ، ويقول عندما يتبين له كل شيء : قد بدا النور ؛ فكلمة نور . إنما استعملت لله – تبارك وتعالى – باعتبار مفهومها الأساسي هذا ، ولم تستعمل بمعنى أن الله تعالى – والعياذ بالله – شعاع يسير 186000 ميل في كل ثانية ، وينعكس على الشبكية في العين ، ويؤثر في مركز البصارة في الدماغ . فهذه الكيفية المخصوصة للنور ليست بشاملة لحقيقة المعنى الذي قد اخترع له الذهن الإنساني هذه الكلمة ، بل نطلق عليه هذه الكلمة باعتبار الأنوار ، التي تأتي تحت تجربتنا في هذه الدنيا المادية ، فكل كلمة من كلمات اللسان الإنساني إنما تستعمل لله – تبارك وتعالى – باعتبار مفهومها الأساسي ، لا باعتبار مدلولها المادي . فنحن نستعمل لله تعالى كلمة البصر مثلا ، فليس معناها أن له عضوا يسمى بالعين ويرى به كالإنسان والحيوان . وكذلك نستعمل له كلمة السمع ، فليس معناها أنه يسمع بأذنيه كما يسمع الإنسان . وكذلك نستعمل له كلمة البطش والأخذ فليس معناها أن له آلة تعرف باليد فيأخذ بها كما يأخذ الإنسان بيده . فكل هذه الكلمات إنما تستعمل لله – تبارك وتعالى – على وجه الإطلاق لا بمعنى من المعاني المحدودة ، ولا نكاد نظن بالنسبة لرجل له مسكة من العقل أن يقول باستحالة أن يوجد للسمع والبصر والبطش شكل غير الشكل المحدود المخصوص الذي نعرفه في هذه الدنيا . وعلى هذا ، إذا قيل عن ( النور ) إنه لا يوجد المصداق لمعناه إلا في صورة ذلك الشعاع الذي يخرج من جرم لامع وينعكس على غطاء العين ؛ فإن هذا القول لا يكون إلا من خطأ الفهم وضيقه . إن كلمة ( النور ) لم تطلق على الله – سبحانه وتعالى – بهذا المعنى الضيق المحدود وإنما أطلقت عليه بمعناها المطلق الواسع غير المحدود ، أي : أن الله – سبحانه وتعالى – هو وحده ( سبب الظهور ) في هذا الكون . أما الأجرام اللامعة التي ينبعث منها النور ، فما نالت نورها ولا هي تنور الكون إلا بالنور الذي قد أنعم به عليها الله – سبحانه وتعالى – وإلا فما عندها شيء يمكن أن تنور به غيرها203 .

والمراد بالنور لدى الأكثرين هو الهداية والحق ، كما قال في آخر الآية : يهدي الله لنوره من يشاء . فشبهه بالنور في ظهوره وبيانه ، وأضافه إلى السماوات والأرض ، للدلالة على سعة إشراقه حتى تضيء السماوات والأرض ، أو على حذف المضاف ، أي : نور أهل السماوات والأرض ، وقيل : نور السماء بالملائكة وبالأجرام المنيرة ، والأرض بها وبالأنبياء والعلماء ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب ، والحسن ، وأبي العالية204 .

ومن هدي السنة نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبتل في دعائه لله الذي أضاء الكون ، وأبدع الوجود ، وهو – سبحانه – نور السماوات والأرض ، وبديع السماوات والأرض وحين ضاق النبي ذرعا بأهل مكة ، ذهب إلى الطائف يدعوها للإسلام ، فكذبه أهلها وآذوه ، فمد يده إلى بارئ النسم وقال : ( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا رب العالمين ، أنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن ينزل بي سخطك ، أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، عافيتك هي أوسع لي )205 .

ونور الله يدركه قلب المؤمن ، وتشف روحه بهداية السماء وعناية الرحمن . قال تعالى : أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ . . . ( الزمر : 22 ) .

أخرج الإمام أحمد ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح . فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح ، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه )206 .

مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . . .

مَثَلُ نُورِهِ . أي : صفة نوره العجيبة الشأن .

قال ابن كثير :

مَثَلُ نُورِهِ : في هذا الضمير قولان :

الأول : أنه عائد إلى الله – عز وجل – أي : مثل هداه في قلب المؤمن .

والثاني : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام ، تقديره : مثل نور المؤمن الذي قلبه كمشكاة ، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه ، بالقنديل من الزجاج الشفاف ، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد ، الصافي المشرق المعتدل ، الذي لا كدر فيه ولا انحراف .

وقالوا أيضا : إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المشكاة أو صدره ، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداه ، والزجاجة قلبه207 .

كَمِشْكَاةٍ . قال مجاهد : هي الكوة بلغة الحبشة ، وزاد بعضهم فقال : المشكاة الكوة التي لا منفذ لها .

فِيهَا مِصْبَاحٌ . أي : سراج ضخم ثاقب ، شديد الإضاءة وقيل : المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل ، والمصباح الفتيلة المشتعلة .

الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ . أي : قنديل من الزجاج الصافي الأزهر .

الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . أي : متلألئ وقاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته .

جاء في ظلال القرآن :

وهذا مثل يقرب للإدراك المحدود صورة غير المحدود ، ويرسم النموذج المصغر ، الذي يتأمله الحس حين يقصر عن تملى الأصل ، وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور ، حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية ، وراء الإدراك البشري الحسير .

ومن عرض السماوات والأرض إلى المشكاة ، وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة ، يوضع فيها المصباح ، فتحصر نوره وتجمعه ، فيبدو قويا متألقا : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ . . . تقيه الريح وتصفي نوره ، فيتألق ويزداد . الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . . . فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة . . . هنا يصل بين المثل والحقيقة ، بين النموذج والأصل ، حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير ، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير ، الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير208 .

قال أبو تمام يمدح المأمون :

إقدام عمرو في سماحة حاتم *** في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقال له الفيلسوف الكندي وكان حاضرا : الخليفة فوق من مثلته بهم .

فأنشد أبو تمام على الفور :

لا تنكروا ضربي له من دونه *** مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره *** مثلا من المشكاة والنبراس209

يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ . . .

أي : رويت ذبالته ( فتيلة المصباح ) بزيت شجرة زيتونة كثيرة المنافع ، زرعت على جبل عال ، أو صحراء واسعة ، فهي ضاحية للشمس ، لا يظلها جبل ولا شجر ، ولا يحجبها عنها حاجب من حين طلوعها إلى حين غروبها ، فزيتها أشد ما يكون صفاء .

لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ . . .

أي : لا شرقية تقع عليها الشمس وقت الشروق فقط ، ولا غربية تقع عليها عند الغروب ، ولا تصيبها في الغداة ، بل هي شرقية غربية ، تصيبها الشمس من حين طلوعها إلى حين غروبها ، كما يقال : فلان لا مسافر ولا مقيم ، إذا كان يسافر أحيانا ويقيم أخرى .

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ . . .

أي : هو لصفائه وبريقه ولمعانه ، كأنه يضيء بنفسه دون أن تمسه النار ، لأن الزيت إذا كان خالصا صافيا ثم رئي من بعد ، يرى كأن له شعاعا ، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء .

كذلك قلب المؤمن يهتدي إلى الحق بفطرته ، ثم يأتيه العلم فيؤكد هدايته ويؤيدها .

قال يحيى بن سلام : قلب المؤمن ، يعرف الحق قبل أن يبين له ، لموافقته إياه ، وهو المراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله )210 .

نُّورٌ عَلَى نُورٍ . . .

أي : هو نور مترادف متضاعف ، قد تناصرت فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت ، حتى لم يبق بقية مما يقوي النور .

قال القاسمي :

وليس معنى نُّورٌ عَلَى نُورٍ . . . نور واحد فوق آخر مثله ، ولا مجموع نورين اثنين فقط ، بل هو عبارة عن نور متضاعف كتضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكره ، فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة ، كان أضوأ له وأجمع لنوره ، بخلاف المكان الواسع ، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر ، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة ، وكذلك الزيت وصفاؤه ، وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا ، مرتبة أخرى عادة .

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء . . .

يلهم الله المؤمن طريق الرشاد والحق ، فيتبعه المؤمن بالعمل والجد ، ولزوم الطاعة والبعد عن المعصية .

قال الزمخشري :

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء . من عباده إلى إصابة الحق ، من نظر وتدبر بعين عقله ، والإنصاف من نفسه ، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينا وشمالا ، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى ، الذي سواء عليه جنح الليل الدامس ، وضحوة النهار الشامس211 .

ويقول المودودي :

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء . . . أي : أن نور الله المطلق ، وإن كان ينور الكون كله ، ولكن لا يهتدي لإدراكه ، والارتشاف من فيض نعمته إلا من يوفقه – سبحانه وتعالى – وإلا فكما أن الأعمى سواء عليه الليل والنهار ، كذلك فإن الإنسان الأعمى بصيرة لا يدرك نور الله ، ولو كانت الكهرباء والشمس والقمر والنجوم له نورا ، كأنه ليس له في الكون إلا الظلمة لا غير212 .

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ . . .

أي : ويسوق الله الأمثال للناس في تضاعيف هدايتهم ، بحسب ما تدعو إليه حالهم ، لما فيها من الفوائد في النصح والإرشاد إذ بها تتفتق الأذهان للوصول إلى الحق ، وبها تأنس النفس بتصويرها المعاني بصور المحسوسات التي تألفها وتدين بها .

قال القاسمي :

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ . . . أي : ليدنو لهم المعقول من المحسوس توضيحا وبيانا ، ولذلك مثل نوره المعبر عنه بالقرآن ، بنور المشكاة213 .

وقال الشوكاني :

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ . . . أي : يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبا لها إلى الأفهام ، وتسهيلا لإدراكها لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس ، وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا214 .

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

فيعطي هدايته من يستحقها ، وفي هذا وعد وبشارة لمن تدبر الأمثال ووعاها ، ووعيد وإنذار لمن لم يتفكر فيها ولم يكترث بها ، فإنه لا يصل إلى الحق ولا يهتدي لطريقه .

قال ابن القيم :

وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية ، كما قال بعض السلف : القلوب آنية الله في أرضه ، فأحبها إليه أرقها ، وأصلبها وأصفاها ، والمصباح هو نور الإيمان في قلبه ، والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق ، وهي مادة المصباح التي يتقد منها ، والنور على النور نور الفطرة الصحيحة ، والإدراك الصحيح ، ونور الوحي والكتاب ، فيضاف أحد النورين إلى الآخر ، فيزداد العبد نورا على نور ، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر ، بمثل ما وقع في قلبه ونطق به ، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع ، والفطرة والوحي ، فيريه عقله وفطرته وذوقه ، أن الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الحق الذي لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة ، بل يتصادقان ويتوافقان ، فهذا علامة النور على النور215 .