نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (68)

ولما لم يكن شبهة على ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه ، ساق قوله{[38213]} : { قالوا اتخذ } أي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد { الله } أي المسمى بهذا الاسم الذي يقتضي تسميته{[38214]} به أن يكون له الكمال كله ، فلا يكون محتاجاً إلى شيء بوجه { ولداً } مساق البيان لقوله { إن يتبعون إلاّ الظن } وهذا صالح لأن يكون تعجيباً ممن ادعى في الملائكة أو عزير{[38215]} أو المسيح وغيرهم .

ولما عجب منهم في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى من الكمال كما مرّ ، نزه نفسه الشريفة عنه فقال : { سبحانه } أي تنزه عن كل شائبة نقص التنزه كله ؛ ثم علل تنزهه عنه{[38216]} وبينه بقوله : { هو } أي وحده { الغني } أي عن الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة ؛ ثم بين غناه بقوله : { له ما في السماوات } ولما كان سياق الاستدلال يقتضي التأكيد ، أعاد " ما " فقال : { وما في الأرض } من صامت وناطق ، فهو غني بملك ذلك عن أن يكون شيء منه ولداً له لأن الولد لا يملك ، وعدم ملكه نقص مناف للغنى ، ولعله عبر ب " ما " لأن الغني محط نظره الصامت مع شمولها للناطق .

ولما بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر الساطع امتناع أن يكون له ولد ، بكتهم بنفي أن يكون لهم بذلك نوع حجة فقال : { إن } أي ما { عندكم } وأغرق في النفي فقال : { من سلطان } أي حجة { بهذا } أي الاتخاذ{[38217]} ، وسميت الحجة سلطاناً لاعتلاء يد المتمسك بها ؛ ثم زادهم بها{[38218]} تبكيتاً بالإنكار عليهم{[38219]} بقوله : { أتقولون } أي على سبيل التكرير { على الله } أي الملك الأعظم على سبيل الاستعلاء{[38220]} { ما لا تعلمون } لأن{[38221]} ما لا برهان عليه في الأصول{[38222]} فهو جهل ، فكيف بما قام الدليل على خلافه ؛ والسلطان : البرهان القاهر لأنه يتسلط به على صحة الأمر ويقهر به الخصم ، وأصله القاهر للرعية بعقد الولاية .


[38213]:زيدت الواو بعده في ظ.
[38214]:في ظ: تسميه.
[38215]:من ظ، وفي الأصل: عزيرا.
[38216]:سقط من ظ.
[38217]:من ظ، وفي الأصل: الإيجاد.
[38218]:سقط من ظ.
[38219]:زيد بعده في الأصل: فقال، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[38220]:زيد من ظ.
[38221]:في ظ: أي.
[38222]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (68)

قوله تعالى : { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون 68 قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون 69 متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعكم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } .

قال المشركون : اتخذ الله ولدا . وذلك زعمهم أن الملائكة بنات الله . ثم نزه الله نفسه عما قالوه من الكذب والافتراء فقال عن نفسه : { سبحانه } أي تنزه عن الشرك والشركاء والأنداد { هو الغني } الله مستغن عن خلقه جميعا ؛ فليس له حاجة إلى ولد أو نديد أو معين ؛ فهو القوي وهم الضعفاء ، وهو الغني وهم المحاويج والفقراء ، وهو الباقي وهم الداثرون . ودليل غناه سبحانه أنه يملك ما في السموات وما في الأرض من ملائكة وجن وأناسي وخلائق ، قوله : { إن عندكم من سلطان بهذا } أي ليس عندكم برهان على ما تدعون وتتقولون غلا التخريص والافتراء .

قوله : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } والاستفهام للإنكار والتوبيخ . وفيه من الوعيد الشديد ما يتهدد هؤلاء الظالمين الفجرة بأفظع العذاب . والمعنى : أتفترون على الله شيئا لا تعلمون حقيقته وصحته وتضيفون إليه ما لا يليق أن يضاف إلى جلاله .

على أن هذه الآية تستوقف النظر والتفكير ، لعجيب نظمها ، وروعة انسجامها ، وشدة التحامها ، وتماسك عبارتها المتعددة المختلفة . مع أنها تتكون من عدة جمل ما بين اسمية وفعلية يضمها إطار الآية الواحدة . وما كان في مقدور بشر أن يصنع مثل هذا . ولئن تكلف أحد أن يصطنع عدة جمل مختلفة متنوعة في إطار آية واحدة لجاء كلامه غاية في التصنيع المستهجن والتكلف الثقيل . لكن هذه الجمل الأربع أو الخمس في ترابطها وائتلافها واتساقها في إطار هذه الآية ، تزجي بالحجة الساطعة على أن القرآن معجز ، وأنه كلام الله .