ولما انتهت القصة معلمة لما قام به لوط عليه السلام من أمر الله غير وانٍ فيه لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر ، أتبعت أقرب القصص الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى : { *وإلى } أي ولقد أرسلنا إلى { مدين } وهم قبيلة أبيهم{[39900]} مدين بن إبراهيم عليه السلام { أخاهم شعيباً } فكأن قائلاً قال : ما قال لهم{[39901]} ؟ فقيل : { قال } ما قال إخوانه من{[39902]} الأنبياء {[39903]}في البداءة{[39904]} بأصل الدين : { يا قوم } مستعطفاً لهم مظهراً غاية الشفقة { اعبدوا الله } أي الملك الأعلى غير مشركين به شيئاً لأنه واحد { ما لكم } وأغرق في النفي فقال{[39905]} : { من إله غيره } فلقد اتفقت - كما ترى - كلمتهم واتحدت إلى الله وحده دعوتهم ، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم{[39906]} لما علم قطعاً من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم{[39907]} بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم ؛ قال الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه " رشف النصائح الإيمانية{[39908]} وكشف الفضائح اليونانية " في ذكر الأنبياء : اتحدت مصادرهم{[39909]} كأنهم بنيان مرصوص ، عبروا بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط بعالمي الشهادة والغيب ، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة الإلهية من مصلحة أهل كل زمان{[39910]} وكل ملة ، فما ضر اختلافهم في الفروع مع اتحادهم في الأصول ، وقال قبل ذلك : إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة ، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم{[39911]} واختلافهم{ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى }[ الحشر : 14 ] انقطع بهم سير الفكر في منتهى{[39912]} عالم الملك والشهادة ، ولم يدخل إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى يظفروا{[39913]} بعين الحياة التي من شرب منها لا يموت - انتهى .
ولما دعا إلى العدل فيما بينهم وبين الله ، دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في أقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدناً{[39914]} فقال : { ولا تنقصوا } أي بوجه من الوجوه { المكيال والميزان } لا الكيل ولا {[39915]}آلته ولا الوزن ولا آلته{[39916]} ؛ والكيل : تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة ؛ والوزن : تعديله في الخفة والثقل ، فالكيل للعدل في {[39917]}الكمية والوزن للعدل في{[39918]} الكيفية ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إني أراكم بخير } أي بسعة تغنيكم عن البخس - مرهباً ومرغباً بالإشارة إلى أن الكفر موجب للنقمة كما أن الشكر موجب للنعمة .
ولما كان كأنه قيل : فإني أخاف عليكم الفقر بالنقص ، عطف عليه مؤكداً لإنكارهم : { وإني أخاف عليكم } به وبالشرك { عذاب يوم محيط* } بكم صغاراً وكباراً وبأموالهم طيباً وخبيثاً ، أي مهلك كقوله{[39919]}{ وأحيط بثمره }{[39920]}[ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو ، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ{[39921]} لأنه محيط بما فيه من عذاب وغيره ، والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط{[39922]} أهول ، وهو الدائر بالشيء من كل جانب ، وذلك يكون بالتقاء طرفيه ؛ والنقصان : أخذ شيء من المقدار كما أن الزيادة ضم شيء إليه ، وكلاهما خروج عن{[39923]} المقدار ؛ {[39924]}والوزن ، تعديل الشيء بالميزان ، كما أن الكيل تعديله بالمكيال{[39925]} ، ومن الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
" لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا " .
قوله تعالى : { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } .
مدين هم قوم شعيب ، وسموا بذلك ؛ لأنهم بنو مدين بن إبراهيم . وقيل : إن هذا اسم مدينتهم فنسبوا إليها . وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحاجز والشام قريبا من معان . وهي بلاد تعرف بهم يقال لها : مدين .
فقد أرسل الله إليهم نبيه شعيبا عليه السلام ، وكان من أشرفهم نسبا ، فقال لهم : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } أي أقروا الله وحده بالعبودية دون غيره من الأنداد ، وأفردوه وحده بالإلهية دون غيره من الشركاء ، وأذعنوا له بالطاعة والانقياد .
قوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } { المكيال } ، ما يكال به ، وجمعه : مكاييل{[2157]} . و { الميزان } : الآلة التي توزن بها الأشياء{[2158]} ؛ أي تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم ؛ فقد كان أهل مدين فرق إشراكهم وكفرهم وعبادتهم للأوثان ، أهل بخس وتطفيف في المكيال والميزان . فكانوا إذا باعوا أعطوا دون ما يستحقه المشتري . وإذا اشتروا قبضوا أكثر من حقهم ، فهم في الحالين مستزيدون أكثر مما يستحقون . وذلكم ظلم وخيانة وغش . فنهاهم الله عن هذا الخلق الذميم الذي يجر لهم السحت ثم يجرجر في بطونهم النار يوم القيامة . قوله : { إني أراكم بخير } يعني أراكم تنعمون في البحبوحة والسعة وكثرة النعم فلا حاجة لكم إلى البخس في الكيال والميزان .
قوله : { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي مهلك . وهو من قوله تعالى : { وأحيط بثمره } أي أهلك ، وأصله من إحاطة العدو . والمراد : أن شعيبا خشي على قومه من عذاب الاستئصال في الدنيا ، أو العذاب البئيس في الآخرة{[2159]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.