نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} (88)

ولما اتهموه بالقطيعة والسفه ، شرع{[39980]} في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيه وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال : ما أجابهم به ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على حسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } أي كوناً هو في غاية الثبات { على بينة } أي برهان { من ربي } الذي أحسن إليّ بما هو إحسان إليكم ، وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله : { {[39981]}و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله : { منه رزقاً حسناً } جليلاً ومالاً جماً حلالاً لم أظلم فيه أحداً ، والجواب محذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ويمكن أن يقال فيه : هل يسع عاقلاً أن ينسبني إلى السفه بتبذير المال بترك الظلم ، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله ، فقد بان بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم ، وتركت مثل أفعالكم إلا خوفاً من غضبه ورجاء لرضاه ، فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ولا خطأ ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى { وما أريد } أي في وقت من الأوقات { أن أخالفكم } أي{[39982]} بأن أذهب وحدي { إلى ما أنهاكم عنه } في المستقبل ، وما نقص مال بترك مثل أفعالكم ، فهو إرشاد إلى النظر في باب :

لا تنه عن خلق وتأتي بمثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

فابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم

وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة{[39983]} على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على وجه الإخلاص في الكل{[39984]} فثبت{[39985]} ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده ، فلذلك أتبعه بما{[39986]} تضمن معناه مصرحاً به فقال : { إن } أي ما { أريد } أي شيئاً من الأشياء { إلا الإصلاح } وأقر بالعجز فقال : { ما استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح ، ليس بدون مال أحد منكم ، فعلم ، مشاهدة أن لا تبذير في العدل ، وأما التوحيد{[39987]} فهو - مع انتفاء التهمة عنى{[39988]} فيه - دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلا منه ولا محيص عن الرجوع إليه ؛ ثم تبرأ من الحول والقوة ، وأسند الأمر إلى من هو له فقال : { وما توفيقي } إي فيما استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي الذي له الكمال كله ؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيراً إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ولما طلب{[39989]} التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من{[39990]} الله والاستعانة به{[39991]} في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم ، وكان في قوله { ما استطعت } إقرار بأنه محل التقصير ، أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر ، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديداً لهم فقال منبهاً على معرفة المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر : { وإليه } أي خاصة { أنيب* } أي أرجع معنى سبقي{[39992]} للتوبة وحساً تيقني{[39993]} بالبعث بعد الموت ؛ والتوفيق : خلق قدرة ما هو وفق الأمر من الطاعة ، من الموافقة للمطابقة ؛ والتوكل على الله : تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته{[39994]} .


[39980]:في ظ: شرعوا.
[39981]:زيدت الواو من ظ ومد والقرآن الكريم.
[39982]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[39983]:سقط من ظ.
[39984]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[39985]:في ظ ومد: فثبتت.
[39986]:في ظ ومد: ما.
[39987]:في ظ: التوجيه.
[39988]:من مد، وفي الأصل وظ: عن.
[39989]:من ظ ومد، وفي الأصل: علب.
[39990]:في ظ: في.
[39991]:سقط من مد.
[39992]:في ظ: بيتي.
[39993]:في ظ: بنفسي.
[39994]:في ظ: بطاعتك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} (88)

قوله تعالى : { قال يا قوم أرأيتم عن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخلفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استعطت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } يخبر الله عن قول نبيه شعيب لقومه : أرأيتم إن كنت على برهان من الله فيما أدعوكم إليه من توحيد الله والتبرؤ من التلبس برجس الأوثان ، وفيما أنهاكم عنه من الإفساد في الأرض بالبخس والتطفيف ، وقد رزقني ربي المال الطيب الحلال ، أو رزقني النبوة والرسالة . وجواب { أرأيتم } محذوف . وتقديره : أفلا أمركم بترك الأوثان والكف عن المعاصي والفساد في الأرض ، فإن الأنبياء لم يبعثوا إلا لمثل هذه الوجائب .

قوله : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي لا أنهاكم عن شيء وآتيه أو أرتكبه ؛ فاني لا أفعل إلا ما آمركم به . ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه .

قوله : { إن أريد إلا الإصلاح ما استعطت } { إن } ، نافية بمعنى ما ؛ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بما أعظكم به وأنصحكم ، فتكونوا من الصالحين في دنياكم وأخراكم بعبادة الله وطاعته . وما ، مصدرية واقعة موقع الظرف ؛ أي ما أريد إلا الإصلاح ما دمت أستطيعه ولا آلو .

قوله : { وما توفيقي إلا بالله } التوفيق ، معناه السداد والرشاد ، أي ما كوني موفقا إلى الحق والسداد والرشاد فيما أفعله وأنتهي عنه إلا بتقدير الله وتأييده { عليه توكلت وإليه أنيب } لقد اعتمدت على الله وفوضت أمري إليه . وإليه وحده أبوء وأتضرع وأشكو مما ينزل بي من النوازل والنوائب . أو أرجع إلى الله في الآخرة{[2163]} .


[2163]:تفسير الرازي جـ 18 ص 47 وتفسير البيضاوي ص 304 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 456 وتفسير النسفي جـ 2 ص 201.