نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (32)

فكأنه قيل : فما قالت لهن امرأة العزيز ؟ فقيل : { قالت فذالكن } أي الفتى العالي الرتبة جداً { الذي لمتنني فيه } .

ولما علمت أنهن عذرنها{[41207]} ، قالت مؤكدة استلذاذاً بالتهتك في حبه : { ولقد } أي أقول هذا والحال أني والله لقد تحقق أني { راودته عن نفسه } أي لأصل إليه بما أريد { فاستعصم } أي فأوجد العصمة والامتناع عليّ فاشتد اعتصامه ، وما أنا براجعة عنه ؛ ثم توعدته{[41208]} وهو يسمع لِيَلين ، فقالت{[41209]} لهن مؤكدة{[41210]} لأن حال حبها يوجب الإنكار لأن تفعل ما يؤذي المحبوب : { ولئن لم يفعل } أي هذا الفتى الذي قام عذرى{[41211]} عندكن فيه{[41212]} { ما أمره } أي أمري { ليسجنن } أي ليمنعن من التصرف بالحبس بأيسر سعي مني . ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع{[41213]} الصغار به ، أكدته{[41214]} بالنون الثقيلة وقالت : { وليكونا } بالنون الخفيفة { من الصاغرين * } أي الأذلاء{[41215]} ، أو أن الزيادة في تأكيد السجن لأنه يلزم منه{[41216]} إبعاده ، وإبعاد الحبيب أولى{[41217]} بالإنكار من إهانته ، فقال له النسوة : أطعها لئلا تسجنك وتهينك ،


[41207]:من م ومد، وفي الأصل و ظ بياض يتوسطه ما يشابه حرف "ط".
[41208]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: توعده.
[41209]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لن ممكنه- كذا.
[41210]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لن ممكنه- كذا.
[41211]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: عندي.
[41212]:زيد من م ومد.
[41213]:في ظ:أقام.
[41214]:في ظ: أكدت.
[41215]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الإذلال؛ والعبارة من بعده إلى " من إهانته" ساقطة من م.
[41216]:من مد، وفي الأصل و ظ: من.
[41217]:من ظ ومد، وفي الأصل: أو.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (32)

قوله : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } أي هذا هو الذي لمتني في حبي إياه وافتتاني به ، وهو الذي شغفكن الآن حبا حتى شغل قلوبكن فقطعن أيديكن لفرط ما أصابكن من إعجاب وافتتان { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ } راودته امرأة العزيز ، أي طلبت منه أن يفعل بها الفاحشة ، لكنه عليه السلام استعصم ، أي طلب العصمة ، فإنها تمنع من ارتكاب المعصية ؛ فهو بذلك قد استعصى وامتنع{[2234]} . وذلك إقرار كامل من امرأة العزيز ببراءة يوسف عليه السلام وأنه منزه مما قذفته به في أول الأمر وأن افتراءها عليه كان محض ظلم وبهتان .

قوله : { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ } ذلك وعيد فاضح من امرأة العزيز بعد أن خلعت عن نفسها شيمة الحياء والاحتشام وهاجت في قلبها ووجدانها سورة الحب المتأجج الأعمى فراحت تهدد يوسف قائلة : لئن لم يفعل ما آمره به من الفاحشة ؛ فلسوف يكون جزاؤه السجن حيث الصغار والمذلة ؛ فيكون فيه مع الأذلة من السارقين والآبقين{[2235]} .


[2234]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 605 ومختار الصحاح ص 437.
[2235]:تفسير البيضاوي ص 313 وتفسير النسفي جـ 2 ص 220.