نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع ، وكان بعضهم قد قال : لو كان نبياً شغلته نبوته{[44388]} عن كثرة التزوج ، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك ، فقال تعالى : { ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { رسلاً } ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل ، أدخل{[44389]} الجار فقال : { من قبلك } أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً ، { و } أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة بإرضاء{[44390]} الأمم في بعض أهوائهم ، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن { جعلنا } أي{[44391]} بعظمتنا { لهم أزواجاً } أي نساء ينكحونهن{[44392]} ؛ والزوج : القرين من الذكر والأنثى ، وهو هنا الأنثى { وذرية } وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة ، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء ، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته { و } لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون{[44393]} من الآيات تالفاً لهم ، بل { ما كان لرسول } أي رسول كان { أن يأتي بآية } مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك { إلا بإذن الله } أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة ، فإن{[44394]} الأمور عنده ليست على{[44395]} غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء{[44396]} منها بل{[44397]} { لكل أجل } أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور { كتاب * } قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإتيان بالآيات وغيرها ، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة ، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة ، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة ؛


[44388]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بنبوته.
[44389]:في ظ: إدخال.
[44390]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بارض.
[44391]:زيد بعده في مد: بما لنا.
[44392]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ينكحوهن.
[44393]:من م، وفي الأصل و ظ ومد، المفتون.
[44394]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بان.
[44395]:زيد من ظ و م ومد.
[44396]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: شيئا.
[44397]:زيد من م ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ 38 يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما ترى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح . ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله الآية{[2358]} .

والمعنى : لقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى الأمم التي خلت من قبل هذه الأمة وقد جعلناهم بشرا مثلك يأكلون ويرقدون يتزوجون ولهم الأولاد والذرية ، فما كانوا من الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ؛ بل أرسلهم الله بشرا مثلك يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .

ومن سنن الإسلام التحضيض على النكاح والنهي عن التبتل وهو ترك الزواج ؛ فإن الزواج مدعاة للسكينة ، وصوان النفس عن الجنوح للفاحشة فضلا عما يفضي إليه الزواج من تحصيل للذرية الذين تقر بهم العين وتتحقق بمجموعهم عمارة الأرض فتصلح الحياة ويقوم المجتمع .

وفي الترغيب في الزواج يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ) .

وروي البخاري في صحيحه عن أنس قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم . فلما أخبروا كأنهم تقالوها . فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ! فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ؟ وقال الآخر : إني أصوم الدهر فلا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج .

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ؛ لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وروي مسلم أيضا سنده عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان أن يبتل ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا .

وهذه هي طبيعة الإسلام القائم على الاعتدال والوسط ، والمجانب لكل صور المغالاة او التفريط او التنطع . وهو ما ينسجم والفطرة البشرية خير انسجام . ومن الحق الذي لا مراء فيه أن الإسلام وحده لهو الدين المميز الأمثال الذي يراعي طبائع البشر وما جلبوا عليه من شهوات واستعدادات ورغبات أساسية مركوزة بعيدا عن المكابرة أو التطرف أو الغلو ، أو الحرمان أو الكبت . وهذه واحدة من الخصائص الكبرى التي تكفل للإسلام دون غيره أن يصلح عليه الناس ويسعد به الأفراد والمجتمعات في كل الأزمان والأحوال .

قوله : { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } ما يستطيع أحد من الناس ولا رسول من الرسل أن يأتي أمته بمعجزة أو خارقة من الخوارق كتسيير الجبال ، أو إحياء الموتى ، أو نحو ذلك من الآيات إلا بأمر الله . وذلك رد على الكافرين ؛ إذ اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه من الآيات الخرقة وهو ما بيناه سابقا . وجملته . أن ذلك كله بأمر الله وحده . وما يسأل هؤلاء الجاحدون إلا من باب المكابرة والمعاندة والاستسخار . مع أنهم قد جاءهم القرآن وهو خير معجزة مشهودة تتنزل على الأرض فتعيها العقول وتتملاها القلوب . معجزة باقية خالدة لا تبلى ولا تفنى ولا تبيد ، لكن الناس عنها غافلون لاهون بعد أن اجتالتهم عن إدراكها ووعيها الشياطين !

قوله : { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } أي لكل أمر قضاه الله كتاب عنده يكتبه على عباده ويحكم به فيهم . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير . والمعنى : لكل كتاب أجل ؛ أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ووقت معلوم . و نظير ذلك قوله تعالى : { لكل نبأ مستقر } والمراد : أن الأمر كله تابع لمشيئة الله واختياره وليس حسب إدارة الكافرين وما يقدمونه من اقتراحات .


[2358]:الكشاف جـ 2 ص 363 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 518 وأسباب النزول للنيسابوري ص 185.