نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّـٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (42)

{ وقد مكر الذين } ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال : { من قبلهم } أي بالرسل وأتباعهم ، فكان مكرهم وبالاً عليهم ، فطوى{[44447]} في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير{[44448]} مرة وأتقنوه بزعمهم ، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل{[44449]} الشرك وأهله ، ودل على ذلك المطوي بواو العطف{[44450]} في قوله

{ وقد }{[44451]} وطوى{[44452]} في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في { أولم يروا } فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز .

ولما كان ذلك كذلك ، تسبب عنه أن يقال : { فلله } أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة { المكر جميعاً } والمكر : الفتل عن البغية بطريق الحيلة{[44453]} ، ويلزمه الستر - كما مضى بيانه ، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى : فلا طريق لهم إلى علمها إلا من جهته سبحانه ، وسمي فعله مكراً مجازاً لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم ؛ ثم علل ذلك بقوله : { يعلم } ويجوز أن يكون تفسيراً لما قبله ، لأن علم المكر من الماكر من حيث لا يشعر أدق المكر { ما تكسب كل نفس } أي من مكر وغيره ، فيجازيهم إذا أراد بأن{[44454]} ينتج{[44455]} عن كل سبب أقاموه{[44456]} مسبباً يكون ضد ما أرادوا ، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته ، فستنظرون ماذا{[44457]} يحل بهم من بأسه{[44458]} بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم{[44459]} أجمعين { وسيعلم الكافر{[44460]} } أي كل كافر بوعد لا خلف فيه ، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس { لمن عقبى الدار * } حين نأتيهم ضد{[44461]} مرادهم ؛ والكسب : الفعل لاجتلاب{[44462]} النفع أو دفع الضر .


[44447]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: فطوبى.
[44448]:زيد من م ومد.
[44449]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: دلت- كذا.
[44450]:العبارة من هنا إلى " العطف في" ساقطة من مد.
[44451]:في ظ: وطي.
[44452]:في ظ: وطي.
[44453]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الجملة.
[44454]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أن.
[44455]:في مد: يفتح.
[44456]:زيد بعده في الأصل: يكون، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44457]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ما.
[44458]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بأسهم.
[44459]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فتبيدهم.
[44460]:هذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو، وقراءة غيرهم: الكفار، بالجمع- راجع نثر المرجان 3/327.
[44461]:في م: صد.
[44462]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الاختلاب- كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّـٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (42)

قوله تعالى : { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } المكر معناه الخداع أو الخديعة ؛ ماكره : أي خادعه . وتماكروا : احتال بعضهم على بعض{[2361]} والمعنى : ان الكافرين من الأمم السابقة قد مكروا برسلهم وأنبيائهم ؛ إذ كادوا لهم كيدا ، وتملأوا عليهم بالخداع والغدو والصد والأذى ، كمكر نمرود بإبراهيم ، ومكر فرعون بموسى ، وكما كادت يهود لعيسى المسيح .

قوله : { فلله المكر جميعا } أي أن جميع مكر الماكرين غنما يحصل بتخليق الله وإرادته ؛ لأن الله خالق للعباد وأعمالهم جميعا .

على أن مكر الماكرين لا يضر أحدا من الممكور بهم إلا أن يشاء الله و يؤثر فه إلا بتقديره سبحانه . وفي ذلك تسلية من الله للنبي صلى الله عليه وسلم كيلا يعبأ أو يكترث ما دام حصول المكر من تخليق الله ، وتأثيره في المكور به لا يقع خارجا عن إرادة الله ، فوجب بذلك أن لا يكون الخوف إلا من الله وحده ، وأن لا يكون الرجاء إلا من الله دون غيره من المخاليق .

قوله : { يعلم ما تكسب كل نفس } أي أن الله عليم بما يفعله المشركون الظالمون من كيد للرسول والمؤمنين . وهو مجازيهم عما فعلوه { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } يعني سيعلم الكافرون من تكون له العاقبة المحمودة في دار الدنيا هذه ، أو في الدار الآخرة ، أو في كلتا الدارين جميعا{[2362]} .


[2361]:القاموس المحيط جـ 2 ص 141 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 881.
[2362]:تفسير الرازي جـ 19 وفتح القدير جـ 3 ص 90، 91 وتفسير النسفي جـ 2 ص 253.