نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (9)

وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكداً لتكذيبهم : { إنا نحن } أي على ما لنا من العظمة لا غيرنا من جن ولا إنس { نزلنا } أي بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام { الذكر } أي الموعظة والشرف { وإنا له } أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين { لحافظون * } أي دائماً ، بقدرتنا وعلمنا ، لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ فانتفى حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة ، فكأن المعنى : أرسلناك به حال كونك بشراً لا ملكاً قوياً سوياً ، يعلمون أنك أكملهم عقلاً ، وأعلاهم همة ، وأيقنهم فكراً ، وأتقنهم أمراً وأوثقهم رأياً ، وأصلبهم عزيمة ؛ روى البخاري في التفسير والفتن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إليّ أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية : بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن ، فيذهب كثير من القرآن ، إلا أن تجمعوه ، وإني لأرى أن تجمع القرآن ، قال أبو بكر : فقلت لعمر : كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ! فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ، ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد بن ثابت : وعمر جالس عنده لا يتكلم ، فقال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه ، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال أبو بكر : هو والله خير ! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري ، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } - إلى آخرها ، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم .

وساق هذا الأثر أيضاً في فضائل القرآن ، وروي بعده عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله عنه اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما : يا أمير المؤمنين ! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم ، فنسخوها في المصاحف ؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . وله عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأها ، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي رواية : فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين

{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }[ الأحزاب :23 ] فألحقناها في سورتها في المصحف . وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئاً إلا إذا وجد ما كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره ، وقابله مع ذلك على المحفوظ في صدور الرجال ؛ وفي الأخير دليل من قوله : نسخنا الصحف في المصاحف - إلى آخره ، أنه أعاد التتبع كما فعل أولاً ليصح قوله : فقدت آية من سورة الأحزاب .

لأن افتقادها فرع العلم بها ، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً يقرأها ولا يحفظها ، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير وجه عن أنس رضي الله عنه ، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوِّز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (9)

قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( نحن ) ، في موضع نصب ؛ لأنه تأكيد للضمير الذي هو اسم إن . ويجوز أن يكون نحن في موضع رفع مبتدأ . وخبره ( نزلنا ) والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع ؛ لأنه خبر إن{[2432]} .

الله الذي نزل قرآنه المجيد ليكون للبشرية هاديا ومنيرا ، قد وعد أن يحفظ هذا الكتاب المبارك الحكيم من أي انتقاص من آياته وكلماته ، أو أن يزاد فيه باطل .

ذلك وعد من الله ثابت وقائم . ووعد الله صدق ويقين . وهو سبحانه لا يخلف وعده بحفظ قرآنه العظيم من تمالؤ المتآمرين أو الخائنين أو المتلصِّصين الذين ما فتئوا يتدسسون في الليل والنهار للدخول على القرآن ليبدلوه تبديلا . أو يغيروا فيه بعض آياته أو كلماته إفسادا لمعانيه وإذهابا لحقيقة المقصود منه .

ما فتئ المتربصون المكذبون والحاقدون الذين يكرهون الإسلام والمسلمين يكيدون للقرآن العظيم أفظع كيد ، وذلك بمختلف الحيل والأساليب للنيل من هذا الكتاب المنزل ؛ وذلك بالزيادة فيه أو حذف ما يروق لهم أن يحذفوه منه أويحرفوا فيه تحريفا . وذلك كآيات الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لإعلاء كلمة الإسلام وإشاعته في العالمين ، وكذلك آيات الأسرة والقوامة والعقوبات ، وآيات التوحيد والتنديد بالشرك وعبادة البشر كاتخاذ بعض النبيين آلهة مع الله .

ويضاف إلى ذلك كله الدعوة الراهنة المريبة لنشر اللغة العامية بدلا من العربية الفصحى متذرعين بسهولة العامية وصعوبة الفصحى .

وليس في ذلك إلا التمالؤ الخبيث على اللسان العربي الفصيح والسليقة العربية السليمة المميزة من أجل إضعافهما تماما . وذلك سبب يقود حتما إلى انعدام التذوق للقرآن أو ادكاره واستعذابه بضعف المذاق العربي عموما . لا جرم أن هذه سبيل فظيعة تفضي إلى إغفال القرآن ومحوه من الذاكرة العربية ليصبح على مر الزمان ضربا من الكلام العسير الثقيل . أو ضربا من رموز معميات أو النظم الغامض الذي يخالطه اللبس والإبهام فلا يدري به أو يعلمه إلا القلة النادرة من أهل التخصص في تحليل الحروف والخطوط كالذي جرى للكتب المتقدمة ؛ إذ باتت خليطا من الكلام المتضارب الملفق لكثرة ما تلاعب فيه المحرفون الخاطئون . لا جرم أن ذلك من مكر الماكرين من شياطين البشر الذي يصلون الليل بالنهار وهم يتآمرون على قرآن الله لمحوه من أذهان المسلمين بتحريفه أو تغييره أو تبديله . لكن وعد الله قائم قيام هذا الكون الراسخ المستقر الذي لا يتزعزع . فالله قد وعد بصون قرآنه ليظل على الدوام محفوظا من كل اعتبار أو تمحل أو تلاعب .


[2432]:- نفسه.