نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

{ مهطعين } أي مسرعين غاية الإسراع{[45246]} إلى حيث دعوا خوفاً{[45247]} وجزعاً ، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه{[45248]} إلى غيره { مقنعي رؤوسهم } أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل{[45249]} وخشوع إلى جهة واحدة ، وهي جهة الداعي ، لا يلتفتون يميناً ولا شمالاً ، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار ، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحاً بمعنى الشخوص : { لا يرتد إليهم } ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف{[45250]} والسكون قريباً من{[45251]} السواء ، وحد فقال : { طرفهم } بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول { وأفئدتهم } جمع فؤاد ، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب ؛ قال في القاموس : والتفؤد : التحرق والتوقد ، ومنه الفؤاد للقلب مذكر ، جمعه{[45252]} أفئدة . { هواء * } أي عدم فارغة{[45253]} لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :

ألا أبلغ أبا سفيان عني *** فأنت مجوف{[45254]} نخب هواء{[45255]}

والهواء : الخلاء الذي لم تشغله{[45256]} الأجرام ، والنخب : الجبان ، وكذا الهواء - قاله{[45257]} في القاموس .


[45246]:في ظ: الإسرار.
[45247]:زيد من ظ و م ومد.
[45248]:في ظ: لا يلقونه.
[45249]:في مد: ذلك.
[45250]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الطرق.
[45251]:من م ومد، وفي الأصل: عن، وسقط من ظ.
[45252]:في ظ: جمع.
[45253]:منى ظ و م ومد، وفي الأصل: قارعة.
[45254]:من م وديوان حسان، وفي الأصل: نحب هوان، وفي ظ: تحب هواء، وفي مد: نحب هوا- كذا.
[45255]:من م وديوان حسان، وفي الأصل: نحب هوان، وفي ظ: تحب هواء، وفي مد: نحب هوا- كذا.
[45256]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لم تشتغله.
[45257]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: قال.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

قوله : ( معطعين مقنعي رؤوسهم ) مهطعين مقنعي رؤوسهم ، منصوبان على الحال من الضمير في ( يؤخرهم ) والتقدير : إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار في هاتين الحالتين{[2415]} و ( مهطعين ) أي مسرعين . من الإهطاع والهطع والهطوع وهو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع . وأهطع الرجل إذا مد عنقه وصوّب رأسه وأسرع مقبلا خائفا . أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه{[2416]} . ومقنعين ؛ أي رافعين رؤوسهم وناظرين في ذل وخوف{[2417]} .

وهذه هي حال الظالمين المجرمين الذين يأتون يوم القيامة وقد أثقلتهم الخطايا والمعاصي وأهلكهم الكفران والشرك والإفساد في الأرض . يأتون مسرعين رافعين رؤوسهم ، مادين أعناقهم ، شاخصة أبصارهم فلا تطرف . وذلك كله لهول الموقف العصيب ، ولشدة ما يغشاهم من الهوان والوجل . نسأل الله العفو والستر والنجاة والأمان .

قوله : ( لا يرتد إليهم طرفهم ) الطرف ، معناه تحريك الجفن ، والمراد : أن الظالمين لا تطرف أبصارهم ؛ فهم دائمو الشخوص في ذل ووجل .

قوله : ( وأفئدتهم هواء ) الهواء معناه الخلاء أو الأجوف الذي لم يشغله شيء ، ثم جعل ذلك وصفا للقلب المضطرب الخاوي الذي لا خير فيه ولا قوة . وهذه حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة ؛ إذ تكون قلوبهم خالية من كل أمل أو رجاء أو خاطر لانشغالها بما تجده حينئذ من الهم والاضطراب والوجل .

هذه حال الظالمين الخاسرين يوم القيامة من التعس والخسران والذل واشتداد الوجل لهول ما يواجههم من الدواهي العظام والويلات المريعة الجسام . نجانا الله من كل ذلك برحمته نجاة تفضي بنا إلى السلامة والأمان .

وما ينبغي الظن أن عقاب الظالمين محصور في الآخرة دون الدنيا ؛ فإن الله المنتقم الجبار لا يخفى عليه ما يصنعه الطغاة المجرمون في هذه الدنيا من وجوه الظلم والباطل ، وما يكيده هؤلاء التعساء المجرمون لدينه وقرآنه والمسلمين من بالغ الكيد والعدوان والاضطهاد . والله جل جلاله يستمهل هؤلاء المضلين العصاة استمهالا ، حتى إذا جاء وعده بالانتقام دمّر عليهم أفظع تدمير وأخذهم أخذ عزيز مقتدر في هذه الدنيا قبل الآخرة{[2418]} .


[2415]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 61.
[2416]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 102 ومختار الصحاح ص 696.
[2417]:- مختار الصحاح ص 552.
[2418]:-تفسير الرازي جـ 19 ص 144 وفتح القدير جـ 3 ص 115 وتفسير النسفي جـ2 ص 265.