ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } ، ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { أخرجكم } ، بعلمه وقدرته ، { من بطون أمهاتكم } ، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق ، بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج : { لا تعلمون شيئاً } من الأشياء قل أو جل ، وعطف على { أخرجكم } ، قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضاً { السمع والأبصار والأفئدة } ، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً ، قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة ، هي : القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن ، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ، { لعلكم تشكرون * } ، أي : لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول ، أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ، عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .
قوله تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ( 78 ) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( 79 ) } ، يمنّ الله على عباده أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ؛ فهم مخلوقون من غير إدراك ولا وعي ولا حس ، فما من مولود يأتي إلى هذه الدنيا ، إلا وهو إذ يجاء به لا يعلم شيئا ، وذلك لبساطة خلقته وبالغ ضعفه ؛ إذ ذاك . لكن الله قد تفضل عليه ، فرزقه رويدا رويدا حواسه الأساسية ، وهي السمع والأبصار والأفئدة ؛ ليصير بذلك ذا وعي وفهم وإدراك فقال : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ، أفرد السمع على أنه في الأرض مصدر ؛ فقد جعل الله هذه الأشياء آلات ووسائل أساسية ؛ ليتحصل بها الإنسان العلم والمعرفة والإدراك . والمعنى : أن الله جعل لكم السمع لتسمعوا به ما يجري من مسموعات وأحداث . ومن أعظم ما تسمعون لهي آيات الكتاب الحكيم وما حوته من عجائب المعاني والمشاهد والمواعظ والأخبار . وكذلك جعل الأبصار لتبصروا بها عجائب ما خلق الله في هذا الكون مما حوته الأرض والسماء . وكذلك جعل الله الأفئدة : وهي العقول ، أداة التدبر والتفكر ، ووسيلة الفهم والاستبصار ؛ لتستدلوا بذلك كله على وحدانية الله ، وأنه الخالق الموجد البديع . ( لعلكم تشكرون ) ، أي : خلق الله فيكم هذه المركبات طورا عقب طور ؛ لتستيقنوا مبلغ فضل الله عليكم فتشكروه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.