البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

ولما ذكر تعالى أمر الساعة وأنها كائنة لا محالة ، فكان في ذلك دلالة على النشأة الآخرة .

وتقدم وصفهم بانتفاء العلم ، ذكر تعالى النشأة الأولى وهي إخراجهم من بطون أمهاتهم غير عالمين شيئاً ، تنبيهاً على وقوع النشأة الآخرة .

ثم ذكر تعالى امتنانه عليهم بجعل الحواس التي هي سبب لإدراك الأشياء والعلم ، ولما كانت النشأة الأولى ، وجعل ما يعلمون به لهم من أعظم النعم عليهم قال : لعلكم تشكرون ، وتقدّم الكلام في أمهات في النساء .

وقرأ حمزة : بكسر الهمزة ، والميم هنا وفي النور ، والزمر ، والنجم ، والكسائي بكسر الهمزة فيهن ، والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم ، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم .

قال أبو حاتم : حذف الهمزة رديء ، ولكنّ قراءة ابن أبيّ أصوب انتهى .

وإنما كانت أصوب لأنّ كسر الميم إنما هو لاتباعها حركة الهمزة ، فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الاتباع ، بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أقرّ الميم على حركتها .

ولا تعلمون جملة حالية أي : غير عالمين .

وقالوا : لا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم ، أو شيئاً مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة ، أو شيئاً من منافعكم .

والأولى عموم لفظ شيء ، ولاسيما في سياق النفي .

وقال وهب : يولد المولود حذراً إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألماً .

ويحتمل وجعل أن يكون معطوفاً على أخرجكم ، فيكون واحداً في حيز خبر المبتدأ ، ويحتمل أن يكون استئناف إخبار معطوفاً على الجملة الابتدائية كاستئنافها .

والمراد بالسمع والأبصار والأفئدة إحساسها وإدراكها ، فعبر عن ذلك بالآية .

وقال أبو عبد الله الرازي ما معناه : إنما جمع الفؤاد جمع قلة ، لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية اليقينية ، وأكثر الخلق مشغولون بالأفعال البهيمية ، فكان فؤادهم ليس بفؤاد ، فلذلك ذكر في جمعه جمع القلة انتهى ملخصاً .

وهو قول هذياني ، ولولا جلاله قائله وتسطيره في الكتب ما ذكرته ، وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري : أنه من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة والقلة ، إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء : شسوع في جمع شسع لا غير ، فجرى ذلك المجرى انتهى .

إلا أنّ دعوى الزمخشري أنه لم يجيء في جمع شسع إلا شسع لا غير ، ليس بصحيح ، بل جاء فيه جمع القلة قالوا : أشساع ، فكان ينبغي له أن يقول : غلب شسوع .

وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وطلحة ، والأعمش ، وابن هرمز : ألم تروا بتاء الخطاب ، وباقي السبعة بالياء .

قال ابن عطية : واختلف عن الحسن ، وعيسى الثقفي ، وعاصم ، وأبي عمرو .