ولما كان ذلك مقتضياً لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيراً إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي : { ثم عفونا } . وقال{[2382]} الحرالي : ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو{[2383]} تقريراً{[2384]} على تكرر تلافيهم{[2385]} حالاً بعد حال وقتاً بعد وقت ، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو ، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم ، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه ، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها ، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى .
{ عنكم }{[2386]} ولم نعاجلكم بالأخذ ، وفي قوله تعالى { من بعد ذلك } أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم ، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي . {[2387]}وكان الإشعار من جهة إدخال من ، على الظرفية{[2388]} ، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة ، كما اقتضى قوله : من بعده ، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة ؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صلى الله عليه وسلم { لعلكم تشكرون * } {[2389]}أي ليكون{[2390]} حالكم حال من يتوقع منه الشكر .
قال الحرالي : وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر ، يقال : دابة شكور ، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها ؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم{[2391]} من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل ، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته ، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم ؛ على ذلك تجري كلمة لعل{[2392]}وعسى{[2393]} ونحوها - انتهى .
وقوله : ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) العفو معناه المحو والإسقاط ، نقول عفا الله عنك أي محا ذنوبك ، وعفوت عنك الحق أي أسقطته عنك ، نقول عافاه الله أي محا عنه الأسقام وتأتي عفا أيضا بمعنى كثر ، نقول عفا الشيء أي كثر وزاد ، وفي الآية الكريمة ( حتى عفوا ) أي كثروا وفي الحديث الشريف ، " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " أي اتركوها لكي تكثر وتطول .
والفرق بين المغفرة والعفو ، أن الأولى تكون من غير ذنوب قارفها العبد ، لكن العفو يمكن أن يكون بعد مقارفة العبد للذنوب ، وعلى هذا فقد عفا الله عن بني إسرائيل بعد أن ارتكبوا أسوأ جريرة وهي عبادتهم للعجل ، وكان ذلك بعد أن أرهقهم الله بتكليف يؤدونه ليكون لهم عند الله توبة عوضا عن إفراطهم في اتخاذهم العجل إلها ، فكان التكليف أن يقتلوا جميعا فيضرب رقاب بعض على نحو ما سنبينه في موضعه من هذه السورة إن شاء الله .
قوله : ( لعلكم تشكرون ) كاف للمخاطب في ( لعلكم ) في محل نصب اسم لعل والميم للجمع ، والجملة الفعلية في قوله : ( تشكرون ) في محل رفع خبر لعل ، والشكر هو الاعتراف بالنعمة عن طريق القول والفعل ، أما القول فهو دوام النطق والإقرار بنعمة الله بوساطة اللسان ، والفعل يتحقق بأداء الطاعات وتجنب المعاصي ، ونقيض الشكر الكفر وهو الجحود ونكران النعمة والجميل ، وفي الحديث " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " ومن الشكر الشكران ونقيضه الكفران .
لقد عفا الله عن بني إسرائيل ما اقترفوه من جريمة الإشراك بعد أن أرهقهم بعذاب الاقتتال عسى أن يكون ذلك باعثا لهم على الفيئة إلى الله والاعتراف بأنعمه التي أسبغها عليهم فيكونوا بذلك له من الشاكرين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.