ولما وصف ذلك اليوم بأنه لا ينفع{[2312]} فيه حيلة لذي ملكة المتردي{[2313]} بالكبرياء المتجلل بالعظمة ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه لهم بموسى وهارون عليهما السلام حيث شفعا عند الملك الذي كان استعبدهم وسامهم سوء العذاب ، فلما لم يشفّعهما فيهم قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم واستنقذاهم{[2314]} منه بسطوة معبودهم . وقال الحرالي : ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفاً من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى لهم{[2315]} الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختماً لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله : وإذ وإذ ، واحدة بعد أخرى إلى جملة منها ، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة فانتبه من تداركته الهداية{[2316]} وتمادى من استحق العقوبة ذكر{[2317]} أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في معاندتهم القرآن ، فحين لم ينفع فيهم التذكيران بالعهد والنعمة هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا{[2318]} به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم
{ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً{[2319]} }[ غافر : 34 ] فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه السلام فقال تعالى : { وإذ } أي واذكروا{[2320]} إذ { نجيناكم } وهو من التنجية وهي تكرار النجاة ، والنجاة معناه رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو مخلص مما ينال من الوهاد وخبث{[2321]} الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه { من آل } آل{[2322]} الرجل من {[2323]}تبدو فيهم{[2324]} أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه{[2325]} من معنى الآل الذي هو السراب الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى لولاه ، { فرعون } اسم ملك مصر في الجاهلية ، علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء الأجناس في {[2326]}الحيوان وغيره - انتهى . والمراد بالآل فرعون وأتباعه{[2327]} فإن الآل{[2328]} يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس ، قال : ولا يستعمل إلاّ فيما فيه شرف غالباً-{[2329]} ثم بين ما أنجاهم منه بقوله : { يسومونكم سوء العذاب } سماه بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها ، من السوم وهو تعذيب بتهاون بالمعذب ، والسوم ما يشتد ، تنكر النفس له وتكرهها ، ثم فسر هذا بقوله { يذبحون } من التذبيح وهو تكرار الذبح ، والذبح قطع بالغ في العنق - قاله الحرالي .
{[2330]}ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال { أبناءكم } أي سوقاً لكم مساق البهائم { ويستحيون }{[2331]} قال الحرالي : من الاستحياء وهو استبقاء الحياة { نساءكم } من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة باشتراكها{[2332]} في أحد الحروف الثلاثة من الهمزة أو الواو أو الياء مع اجتماعها{[2333]} في النون والسين - انتهى . ثم نبههم على ما فيه من العظم بقوله { وفي ذلكم }{[2334]} فأشار بأداة البعد مقرونة بالميم { بلاء } أي اختبار { من ربكم } أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء { عظيم* } قال الحرالي : البلاء الاختبار هو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة ، وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو أيسر منه ، وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح ، وذكر معنى النجاة ثم فصله تفصيلاً لكيفيته بعد ذلك تعداداً لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام التي هي{[2335]} تلو رفعة التقدم بالعهد ، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى يعني فلما{[2336]} قررهم تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين أصابهم من آل فرعون ما أصابهم استجدّ لهم تذكيراً بنعمة نجاة من عقوبة متقدم أعمالهم - انتهى .
قوله تعالى : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ( ذلك تذكير لبني إسرائيل بنعمته عليهم ، وهي نعمة تضاف إلى جملة النعم التي كتبها الله لهم ، وهي هنا تنجيههم بإذن الله من آل فرعون ، والنجاة أو النجاء بمعنى الفوز والخلاص من الضيق والكرب وآل فرعون هم أهله وأتباعه والذين على ملته وهواه ، والكلمة آل أصلها أهل – كما قال بعض أهل البيان – ثم أبدلت الهاء ألفا فصارت آل ، أما فرعون فإنه على الراجح اسم لكل ملك من الملوك الذين تعاقبوا على حكم القبط في مصر .
وقيل : إن الكلمة تعني العاتي ذا الدهاء والمكر ، وقيل : معناه : بالقبطية التمساح واسم فرعون لا ينصرف للتعريف والعجمة . {[63]}
وقوله : ( يسومونكم سوء العذاب ( أي يذيقونكم أشد أنواع العذاب كأن يتخذوكم لهم عبيدا فتظلوا عندهم موضع حقار وزراية ، وكاف المخاطب في محل نصب مفعول به للفعل يسوم ، و ( سوء ( مفعول به ثان منصوب و ( العذاب ( مضاف إليه ، وقوله : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ( من الذبح وهو في اللغة الشق ، والذبح معناه إحداث الشق في الحلقوم لقطعه أو فتقه ، وجملة يذبحون قيل أنها بدل من جملة يسومون في قوله : ( يسومونكم ( وقيل : هي تفسير لقوله يسومونكم ، أي أن تذبيح الأبناء واستحياء النساء جاء توضيحا لسموهم سوء العذاب وهذا هو الراجح والله أعلم .
ولقد كان فرعون حاكما عاتيا متجبرا قضى على بني إسرائيل بالقهر والتقتيل في غير عطف أو رحمة ، ويبدو للباحث المتدبر أن هذا المخلوق ما كان سوي النفس ولا مستقيم الطبع والشخصية ، فقد كانت تؤرقه ظواهر الشذوذ والمرض النفسي حتى راغ في قسوة محمومة وفي طبع غليظ متحجر يأمر جنوده وأتباعه بقتل الأطفال المواليد من بني إسرائيل واستبقاء البنات منهم على قيد الحياة ، وتلك غاية في الظلم وهو يمارس أسوأ أساليب القهر والعنف لمجرد وهم كان يراود تصوره وخياله ، فقد ذكر له أن زوال ملكه وسقوط عرضه سيكون على يد واحد من بني إسرائيل كما قيل ، ونحن لا نعبأ كثيرا بالسبب الذي أودى بهذا الطاغية الى هذا المستوى الإجرامي الذي يثير في النفس كآبة واشمئزازا . لا نعبأ بالسبب الذي كان وراء هذه الممارسة الغليظة فسواء كان ذلك إيهاما ركب رأس فرعون بأن فرعون أحد اليهود سوف يقضي عليه ، أو أن ذلك كان تعبيرا عن نفسية شاذة ملتوية تستطيب عذابات المظلومين وتستمرىء أن ترى الدم المسفوح بقطر بغزارة من جلود المظلومين والمعذبين .
لا يهمنا السبب كثيرا ما دامت النتيجة البشعة قد حلت بأولئك المقهورين ظلما وعدوانا ، لا يهمنا ذلك بقدر ما نلاحظه من خلال الدراسة ، والبحث أن طبيعة يهود يهود قد سميت بعد هذه الهزات والمصائب الالتواء والشذوذ حتى باتت غير سوية بل باتت غاية من انحراف الطبع وشذوذ النفس ، إن التجارب والدراسات كلها تشير إلى طبيعة اليهود الشاذة التي آلت إلى أن تمارس كل ضروب الأذى والتخريب وكل ألوان الإفساد والشر والتدمير ، تجتاح أوساط البشرية كافة ، فتذيقها الويل والثبور وعظائم الأمور ، والكلام في ذلك طويل لأن حلقات البلاء والتآمر والكيد من اليهود للبشرية تحتاج مجالا غير هذا المجال ، وذلك لفداحتها وتعدد مآسيها وأرزائها ، وهو كذلك مرير ، لأنه ينطوي على أحداث مذهلة مريعة منيت بها البشرية والمجتمعات عبر السنين الطوال وهي تعاني الأهوال والشدائد مثل الحروب الطاحنة المدمرة التي تتمخض عن الملايين من الضحايا والمعذبين ، ثم الكيد للبشرية لضربها في أعز ما تملك وهي القيم والعقائد ، ومكارم الأخلاق ، وكذلك الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي يصطنعها رجالات دهاقنة من اليهود تحت شعار مزيف من العلم ، ومن جملة هؤلاء فرويد في إفساد النفس وتمييعها لتظل فائرة مشبوبة خلف غريزة الجنس ، ثم ماركس وهو الذي في عناد وتوقح عن صفقة آراء غريبة ، لا تلبث أن تتداعى أمام المنطق السليم والمناقشة الموضوعية الحرة .
قوله : ( وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم ( اسم الإشارة وميم الجمع ( ذلكم ( تعني : فعلهم ذلك بكم ، أي أن فعل فرعون وجنوده بكم وما أنزلوه بكم من ألوان العذاب لهو بلاء ، أي امتحان واختيار عظيم ، لما في ذلك من بالغ القسوة وشديد الامتهان .