ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل : فما وجه الخلاص منها ؟ فقيل : اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا { قلنا }{[1930]} كما تقدم {[1931]}{ اهبطوا }{[1932]} ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد{[1933]} تصويراً لشؤم المعصية وتبشيعاً لها قال : { منها }{[1934]} أي الجنة{[1935]} { جميعاً }{[1936]} أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قِران{[1937]} واحد أو على التعاقب ، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم{[1938]} {[1939]}إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا : { فإما يأتينكم } ، وقال الحرالي : {[1940]}مورد هذه الآية{[1941]} بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم{[1942]} يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة ، وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار{[1943]} في الدنيا والاغتذاء{[1944]} فيها وذرء{[1945]} الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس ، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس ، وفي قوله : { جميعاً } إشعار بكثرة ذرء{[1946]} الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى .
وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعاداً عن الوهم فقال : { مني هدى } {[1947]}أي بالكتب والرسل ، {[1948]}ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال{[1949]} : { فمن تبع } أي أدنى اتباع يعتد به ، ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه{[1950]} كما يأتي إن شاء الله تعالى . والتبع السعي أثر عَلَم الهدى - قاله الحرالي . { هداي } أي المنقول أو المعقول ، فالثاني أعم من الأول . لأنه أعم من أن يكون منقولاً عن الرسل أو معقولاً بالقياس على المنقول عنهم ، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى :
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً{[1951]} }[ النساء : 83 ] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف النصائح الإيمانية : فالعقل حجة الله الباطنة{[1952]} والقرآن {[1953]}حجة الله{[1954]} الظاهرة . قال الحرالي : وجاء { هداي } شائعاً ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع ، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى .
{[1955]}ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان ، والحزن يحفّ ، قدّمه فقال{[1956]} : { فلا خوف عليهم } أي من{[1957]} شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضارّ - قاله الحرالي . { ولا هم يحزنون } أي على شيء فات ، {[1958]}لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة{[1959]} و{[1960]}الحزن كما قال الحرالي : توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به{[1961]} رَوح ، والقرب منه راحة ، وجاء في الحزن بلفظ { هم } لاستبطانه ، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم ، وجاء نفي الخوف منعزلاً عن فعلهم لأنه من خوف{[1962]} باد عليهم من غيرهم{[1963]} - انتهى{[1964]} .
قوله تعالى : ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون . و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ذلك تكرار للقرار الرباني العظيم بالهبوط إلى الأرض ، و هو تكرار يقصد به التأكيد الذي لا ينفذ إليه تردد أو انثناء و هو أن ينزل آدم و زوجه إلى هذه المعمورة لتكون لهما عليها الذرية المنتشرة في بقاع الدنيا ، و ليكون الصراع و الجد و العناء .
و قوله : ( جميعا ) منصوب على الحال . و الجملة الفعلية بعد القول في محل نصب مفعول به .
و قوله : ( فإما يأتينكم مني هدى ) أصل ( فإما ) : فإن ما ، أدغمت إن الشرطية بما الزائدة ، و الجملة الفعلية بعدها للشرط . و الهدى ما يهتدي به الإنسان إلى سواء السبيل ، يستوي في ذلك كتاب الله أو الرسل أو الملائكة ، فكل أولئك دعاة إلى الله يكشفون للبشرية عن دروب التوفيق و الخير ، و يحذرونها من عواقب الضلالة و التعثر .
و قوله : ( هدى ) فاعل لفعل الشرط قبله . و جواب الشرط مقترن بالفاء و هو قوله : ( فمن تبع هداي ) . و ذلك شرط آخر يتضمن جملة الشرط ( تبع هداي ) و يتضمن أيضا جوابه ( فلا خوف عليهم ) أي أن جملة الشرط الثاني و جوابه جواب للشرط الأول .
هؤلاء المؤمنون الذين اتبعوا الهدى من ربهم هم الفائزون في الدارين . و أصدق ما ورد فيهم هذه المقالة الوجيزة العذبة و هي جواب الشرط الثاني ( فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ) و خير ما قيل فيها من تفسير أن هؤلاء المؤمنين لا يخافون يوم القيامة يوم يخاف الناس و يوم ترتجف قلوبهم و أبدانهم ، و ذلك لهول الموقف و جلال الخطب المروع . و كذلك فإنهم لا يحزنون كما يحزن الناس لدى مفارقتهم للدنيا حيث الصحب و الخلان و حيث العشيرة و الأهل و المال و الولد . و تلك أمور تشد إليها الإنسان شدا ليظل بها لصيقا من حيث حسه و عاطفته و هواه . فهو إذا ما أحس بفراق ذلك كله دهمته غمرة من الحزن المؤثر ، لكن الذين هداهم الله لا يحزنون مثل ما يحزن هؤلاء ، ليقينهم أنهم قادمون على خير من ذلك كله . فهم قادمون على رضوان من الله يملأ نفوسهم و أفئدتهم بالسكينة و الرضى و الحبور ، ثم ما يتلو ذلك من عطاء الله الواسع مما لا عين رأت و أذن سمعت و لا طرأت على قلب بشر ، جعلنا الله في زمتهم .