نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد ، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال : { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا بني إسرائيل { لا تسفكون دماءكم }{[3380]} أي لا يسفك بعضكم{[3381]} دماء بعض { ولا تخرجون أنفسكم } بإخراج بعضكم لبعض{[3382]} لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة{[3383]} { من دياركم } ، قال الحرالي : وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما تحويه من أموالها - انتهى .

ولما كانوا قد نكصوا عند حقوقِ الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير{[3384]} حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أقررتم } أي بذلك كله{[3385]} بعد ليّ{[3386]} وتوقف ، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي : { وأنتم تشهدون } {[3387]}بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك ، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفاً ما فيه كفاية{[3388]} للموفق ، وسيأتي في المائدة بقيته{[3389]} ، إن شاء الله تعالى .


[3380]:قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 1/ 288: ظاهر قوله "لا تسفكون دماءكم" أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدة تصيبكم وحنق يلحقكم، وقيل معناه لا تسفكوا دماء الناس، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه، وقال: سقياهم كأسا سقونا بمثله ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك كارتداد والزنا بعد الإحصان والمحاربة وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك مما يزل عصمة الدماء.
[3381]:وفي ظ: دماءكم
[3382]:ليست في ظ
[3383]:ليست في ظ
[3384]:في م: الخبر
[3385]:في ظ: بعدل -كذا
[3386]:وفي البحر المحيط: أي تعلمون أن الله أخذ عليكم وأراد على قدماء بني إسرائيل إن كان الخطاب واردا عليهم، وإن كان معاصريه صلى الله عليه وسلم من أبنائهم فمعناه وأنتم تشهدون على أسلافكم بما أخذه الله عليهم من المعاهد إما بالنقل المتواتر وإما بما تتلونه من التوراة، وإن كان معنى الشهادة الحضور فيتعين أن يكون الخطاب لأسلافهم. وقال بعض المفسرين: "ثم أقررتم" عائد إلى الخلف، "وأنتم تشهدون" عائد إلى السلف، لأنهم عاينوا سفك دماء بعضهم عضا، وقال "أنتم تشهدون" لأن الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذاك أطلق عليهم خطاب الحضرة.
[3387]:في ظ: كناية
[3388]:في ظ: كناية
[3389]:ليس في م
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ} (84)

قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكن من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون . ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } كان مما أوجبه الله على بني إسرائيل في التوراة ألا يسفكوا دماء بعضهم بعضا ، وألا يخرجوا بعضهم من ديارهم . وقد نسب فعل السفك والإخراج للمخاطبين أنفسهم ، وكأنما هم أنفسهم يسفكون دماءهم بأنفسهم ، وكذلك يخرجون أنفسهم بأنفسهم من ديارهم ، والأصل في ذلك أن الأمة ذات الملة السماوية واحدة . هي أمة متحدة متعاونة كمثل الجسد الواحد المترابط الذي يشد بعضه بعضا ، فإن يشتكي كل جزء فيه لاشتكاء أي جزء سواه . وعلى هذا الأصل فإن الذين ينتسبون إلى الملة السماوية الواحدة يؤلفون من البشر المجموعة المتجانسة المتراصة التي لا تفرق بينها أنانيات ، ولا تشقها أحقاد أو عصبيات ، حتى إن الواحد من هذه الأمة إذا أوقع في غيره أذية فكأنما أوقع ذلك في نفسه بالذات ، وأيما مجموعة من أهل الملة الواحدة التي تقوم على التوحيد ، آذت غيرها كانت كمن يعتدي على نفسه ويلحق بذاته الشر والمكروه .

وقوله : { تسفكون } من السفك وهو الإراقة والصب . أما الديار فمفردها دار هي وهي مؤنثة سميت بذلك ؛ لدورانها حول البيت الذي يقام فيها .

قوله : { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } إقرارهم كان واقعا على الميثاق الذي طوقوا به أنفسهم وكانوا على ذلك شهودا .