ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز ، فاشتملت على غاية الحكمة ، دالة على أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين ، تسبب عن سوقها كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه{[50030]} قوله ، {[50031]}معظماً لنفسه الأقدس بما هو له أهل{[50032]} بعد تعظيم كتابه تعليماً لعباده ما يجب له من الحق{[50033]} دالاً بصيغة التفاعل على مزيد العلو : { فتعالى الله } أي بلغ{[50034]} الذي لا يبلغ الواصفون وصفه {[50035]}حق وصفه من العلو{[50036]} أمراً لاتحتمله العقول ، فلا يلحقه شيء من إلحاد الملحدين ووصف المشركين { الملك } الذي لا يعجزه شيء ، فلا ملك في الحقيقة غيره { الحق } أي الثابت الملك ، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما ؛ و-{[50037]} ] لعظمة ملكه وحقية{[50038]} ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة{[50039]} .
ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر ، كان تقدير : فلا تعرض عنه ، بل أقبل عليه{[50040]} لتكون من المتقين الذاكرين ، ولما كان هذا الحث{[50041]} العظيم{[50042]} ربما اقتضى{[50043]} للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه قبل الفراغ من إيحائه ، قال عاطفاً على هذا المقدر{[50044]} : { ولا تعجل بالقرآن } أي بتلاوته .
ولما كان النهي عاماً لجميع الأوقات القبلية ، دل عليه بالجار لئلا يظن أنه خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة{[50045]} فقال : { من قبل أن } {[50046]}ولما كان النظر هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين ، بنى للمجهول قوله{[50047]} : { يقضى } أي ينهى { إليك وحيه } من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة ، بل رتلناه لك ترتيلاً ، ونزلناه{[50048]} إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً ، وموصلاً توصيلاً - كما أشرنا إليه أول السورة{[50049]} ، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه{[50050]} ولا تساوقه بالقراءة{[50051]} ، فإذا فرغ{[50052]} فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه ، ولا بتكليفك للمساوقة{[50053]} بتلاوته { وقل رب } {[50054]}أي المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ{[50055]} { زدني علماً* } أي بتفهيم ما أنزلت إليّ منه{[50056]} وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه ، لتتمكن{[50057]} من معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك ، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون شمول القدرة ، وفي هذا{[50058]} دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء{[50059]} السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال ، وأعون على الحفظ ، فمن وعى شيئاً حق الوعي حفظه غاية الحفظ{[50060]} ؛ وروى الترمذي{[50061]} وابن ماجة{[50062]} والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً والحمد لله على كل حال ، وأعوذ بالله من حال أهل النار " أفاده ابن كثير في تفسيره .
قوله : ( فتعالى الله الملك الحق ) أي تنزه الله عن كل النقائص والعيوب التي يتلبس بها البشر ( الملك ) الله مالك العالمين وله ملكوت كل شيء وهو سبحانه ملك الملوك وهو عز وعلا ( الحق ) الثابت في ذاته وصفاته .
قوله : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) ذلك تعليم من الله لنبيه الكريم كيف يتلقى القرآن عن الوحي ؛ فقد كان النبي ( ص ) يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي ، حرصا منه على الحفظ ، وخشية على القرآن من النسيان ، فنهاه الله عن ذلك وهو قول ابن عباس . قال الزمخشري في تأويل الآية : لما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد : وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليه ريثما يُسمعك ويُفهمك . ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك . ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته ونحوه قوله تعالى : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) وقيل معناه : لا تُبلغ ما كان منه مجملا حتى يأتيك البيان ( وقل رب زدني علما ) يعلم الله نبيه حسن التواضع والتأديب وهو أن يسأله الزيادة من العلم . لا جرم أن الاستزادة من اعلم خير ما يرجوه المؤمن ويدعو ربه أن يمكنه من الظفر به{[2999]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.