نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} (54)

ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط ، أتبعه القدرة على خلطه ، لئلا يظن أنه ممتنع ، تقريراً للفعل بالاختيار ، وإبطالاً للقول بالطبائع ، فقال معبراً بالضمير كما تقدمه حثاً على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت ، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها : { وهو } أي وحده { الذي خلق من الماء } بخلطه مع الطين { بشراً } كما تشاهدونه يخلق منه نباتاً وشجراً وورقاً وثمراً { فجعله } أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة ، والتدوير في أدوار التربية { نسباً } أي ذكراً ينسب إليه { وصهراً } أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر ، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين : عذبا وملحاً ، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدمياً ، ومنعه من ذلك إذا أراد ، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة { وكان ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك { قديراً* } على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق ، سهل الأخلاق ، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق ، أو ملتبس الأخلاق ، عريقاً في النفاق ، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة ، التام العلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} (54)

قوله : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ) البشر ، عموم بني آدم . فقد خلق الله الإنسان من نطفة مهينة مستقذرة ؛ إذ جعلها تمر في مراحل متعاقبة ، طورا بعد طور . بدءا بالجنين ، وانتهاء بالإنسان المكتمل ذي السمع والبصر والحس والعقل والإرادة .

قوله : ( فجعله نسبا وصهرا ) النسب والصهر يعمان كل قربى بين آدميين . وذلك قسمان : ذوو نسب{[3336]} أي ذكور ، يُنسب إليهم . وذوو صهر . أي إناث يصاهر بهن .

قال ابن كثير في هذا المعنى : هو في ابتداء أمره ولد نسيب ثم يتزوج فيصير صهرا ثم يصير له أصهار وأختان{[3337]} وقرابات ، وكل ذلك من ماء مهين .

قوله : ( وكان ربك قديرا ) ودليل قدرته ما ذكره من عجيب صنعه ؛ إذ جعل من النطفة المهينة المستقذرة بشرا بنوعيه : الذكر والأنثى ، فكانت الحياة بأطوارها ومراحلها ، وصوره من الأمن والاستقرار والبحبوحة والرحمة . أو خلاف ذلك من الخوف والاضطراب والشظف والظلم . وكذلك كان الناس بشعوبهم وقبائلهم وأفرادهم ومجتمعاتهم . وكل ذلك يدل على قدرة الصانع الحكيم{[3338]} .


[3336]:- النسب: القرابة. انظر القاموس المحيط ص 176.
[3337]:- أختان: جمع ختن بسكون التاء. أي أصهار. انظر القاموس المحيط ص 1540.
[3338]:- البحر المحيط جـ6 ص 464 وتفسير البيضاوي ص 483 وتفسير النسفي جـ3 ص 171.