نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} (12)

ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي{[15189]} أوجبت اليقين لكل{[15190]} منصف{[15191]} بأنهم مغلوبون وصل بها أمره صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم{[15192]} بمضمون ذلك فقال : { قل للذين كفروا } أي من أهل زمانك جرياً{[15193]} على منهاج أولئك الذين أخذناهم { ستغلبون } كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء : " وليُغلَبنّ مُغالبُ{[15194]} الغَلاّب{[15195]} " واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية{[15196]} ، وعلى قراءة الغيب معللة{[15197]} ، أي قل لأجلهم ، أو هي بمعنى عن ، أي قل عنهم ، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة{[15198]} تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم لأنه عرض عليه{[15199]} عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة{[15200]} ، فكان أول ذلك غلبته{[15201]} صلى الله عليه وسلم على مكة المشرفة ، وكان فتحها فتحاً لجميع الأرض لأنها أم القرى نبه على ذلك الحرالي . { وتحشرون } أي تجمعون{[15202]} بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت { إلى جهنم } قال الحرالي : وهي من{[15203]} الجهامة ، وهي كراهة{[15204]} المنظر انتهى ؛ فتكون{[15205]} مهادكم ، لا مهاد لكم غيرها { وبئس } أي والحال أنها بئس { المهاد * } .


[15189]:في ظ: الذي.
[15190]:كل. من ظ ومد، وفي الأصل وظ:
[15191]:في ظ: متصف.
[15192]:زيد من ظ ومد.
[15193]:زاء، وفي ظ: حرفا. من ظ ومد، وفي الأصل وظ :
[15194]:في ظ: بغالب.
[15195]:والمصراع الأول "همت سخينة أن تغالب ربها"، والبيت لكعب بن مالك ـ لسان العرب.
[15196]:في ظ: يتعد به.
[15197]:من ظ ومد، وفي الأصل: مقلة.
[15198]:زيدت الواو بعده في ظ.
[15199]:من ظ ومد، وفي الأصل: عليهم.
[15200]:في ظ: المضابرة.
[15201]:من ظ ومد، وفي الأصل وظ: عليه.
[15202]:في ظ: يجتمعون.
[15203]:سقط من مد.
[15204]:في ظ: كرامة.
[15205]:في ظ: فيكون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} (12)

قوله تعالى : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) .

جاء في سبب نزول هذه أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشا ببدر فقدم المدينة جمع اليهود وقال : يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم . فقالوا : يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا{[409]} . لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة . أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس ، فأنزل الله تعالى : ( قل للذين كفروا ) يعني اليهود{[410]} . يأمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم أن يخبر اليهود أنهم سوف تحيق بهم الهزيمة لا محالة ، وأنهم سوف يغلبون في هذه الدنيا وتحل بدارهم قارعة الخزي ، ويوم القيامة لا جرم أن لهم من العذاب ما هو أشد وأنكى . وذلك هو عذاب جهنم ( وبئس المهاد ) المهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش . قال الله تعالى : ( والأرض فرشناها فنهم الماهدون ) وبئس من البأساء وهو الشر والشدة . ذلك هو مصير الكافرين الذين يحاربون الله ورسول ويسعون في الأرض فسادا وتخريبا سواء كانوا من اليهود أو الصليبيين أو الوثنيين أو الماديين الملحدين ، لا جرم أن هؤلاء جميعا حصب جهنم ، فهم فيها يتحرقون ويتقاحمون في لظاها وسعيرها مثلما تتقاحم القردة .


[409]:- أغمار: جمع ومفرده غمر. وهو الذي لا يجرب الأمور، أو الذي لا غناء عنده في عقل ولا رأي. انظر المصباح المنير جـ 2 ص 107.
[410]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 62.