نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

سورة آل عمران {[14332]}

{ بسم الله } الواحد المتفرد{[14333]} بالإحاطة بالكمال { الرحمن } الذي وسعت{[14334]} رحمة إيجاده {[14335]} كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة { الرحيم }{[14336]} الذي اختار أهل التوحيد{[14337]} لمحل أنسه وموطن{[14338]} جمعه وقدسه

{ الم * } المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى ، والإخبار{[14339]} بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الإقبال عليه والمسارعة إليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق{[14340]} والاستغفار ما{[14341]} يتعطف عليه{[14342]} كثير{[14343]} من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر{[14344]} لي أولاً ، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد{[14345]} فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان{[14346]} إليه ، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة ، فالقيام يكون على كل نفس ، والاستقامة العدل كما قال :{ قائماً بالقسط }{[14347]}[ آل عمران : 18 ] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة ؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب ، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين{[14348]} إجمالاً جاء{[14349]} ما به التفصيل محاذياً{[14350]} لذلك ، فابتداء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين ، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة ، لأن التوحيد هو الأمر{[14351]} الذي لا يقوم بناء إلا عليه ، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك ؛ وأيضاً{[14352]} فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم }{[14353]} [ البقرة : 21 ] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه{[14354]} غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره{[14355]} بطريق الأولى ، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه ؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها{[14356]} بآل عمران ، فإن{[14357]} لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه ، فهو التاج الذي هو خاصة{[14358]} الملك المحسوسة ، كما أن التوحيد خاصته المعقولة ، والتوحيد موجب لزهرة{[14359]} المتحلي{[14360]} به فلذلك سميت الزهراء .

القصد الأول التوحيد

ومناسبه هذا الأول بالإبتدائية لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان ، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبق وراءها مرمى لمتنعت{[14361]} ، أو تعجب{[14362]} من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئاً من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدلة مع وضوحه ، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل{[14363]} في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة{[14364]} من النفقات ، وبيان بعض ما يتعلق بذلك ، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات و الأرض ، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك ، وبأنهم{[14365]} لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة ، وبصدقهم{[14366]} في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم{[14367]} ، وبالنصرة على عامة الكافرين ؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غاية المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به{[14368]} سبحانه وتعالى ووجهت{[14369]} الرغبات آخر تلك إليه ؛ وأحسن منه أنه لما نزل{[14370]} إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحة على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة ، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب ، وبيّن ذلك بحقية{[14371]} المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده{[14372]} بالإيمان بالمنزل{[14373]} بالسمع والطاعة ، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر ، علم{[14374]} أنه{[14375]} واحد لا شريك له حي لا يموت{[14376]} قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق ، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك ، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال : { الله }{[14377]} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص{[14378]} .

وقال الحرالي مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور{[14379]} من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقراراً لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب : هو ما رضيه{[14380]} الله سبحانه وتعالى فأقره ؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه ، وفيما يرجع إلى عبده ، وفيما بينه وبين عبده ، فكانت أم القرآن وأم الكتاب ؛ جعل مثنى{[14381]} تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمناً{[14382]} سورة البقرة إلى ما أعلن به ، لألأ نور{[14383]} آية الكرسي فيها ، وكأن منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة ، فكأن منزلة سورة آل عمران منزلة تاج الراكب{[14384]} وكأن منزلة سورة البقرة منزلة سنام المطية ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة ، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران " وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله ، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران{[14385]} ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظاً وبتلقيه على اللقن{[14386]} منزل الكتاب بما أبداه علنه{[14387]} في هذه السورة ؛

وبذلك يتضح أن إحاطة { الم } المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما{[14388]} هو قيامه وتمامه ، ووصلة{[14389]} ما بين قيامه وتمامه ، وأن إحاطة{[14390]} { الم } المنزلة في أول هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة{[14391]} عظمة اسمه { الله } إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه { الحي القيوم } وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمة الإخلاص في قوله : { لا إله الا هو } فلذلك{[14392]} كان هذا المجموع في منزله{[14393]} قرآناً حرفياً وقرآناً كلمياً اسمياً وقرآناً كلامياً تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم : " اسم الله{[14394]} الأعظم في هاتين الآيتين : { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم }{[14395]} [ البقرة : 163 ] ، { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } " وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع به الإفصاح{[14396]} في سورة آل عمران كذلك{[14397]} وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلاً واحداً بما أفصح مضمون كل سورة بإلاحة الأخرى ، فلذلك هما{[14398]} غمامتان وغيايتان{[14399]} على قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان{[14400]} ، فأعظم { الم } هو مضمون { الم } الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة ، ويليه في الرتبة ما افتتحت به{[14401]} سور{[14402]} الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم }{[14403]}[ لقمان : 2 ] فللكتاب الحكيم إحاطة قواماً وتماماً ووصلة ، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك ، وإحاطة الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة{[14404]} افتتاح هذه السورة ؛ وكذلك أيضاً اللواميم{[14405]} محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم{[14406]} ، وإحاطة{[14407]} الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه{[14408]} وعلمه لمن{[14409]} آتاه الله فهماً بمنزلة قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة{[14410]} دون سائر الأمم{[14411]} ، الذي هو من العلم الأزلي العلوي ؛ ثم قال : ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه " الله " الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها { إله } كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف على نحو إحاطة{[14412]} اسمه " الله " في الأسماء ، فكانت هذه الألف مسمى{[14413]} كل ألف كما كان اسمه{[14414]} { الله } سبحانه وتعالى مسمى{[14415]} كل اسم سواه حتى أنه مسمى{[14416]} سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى{[14417]} هو هذا الاسم العظيم الذي هو { الله } الأحد{[14418]} الذي لم يتطرق إليه شرك ، كما تطرق{[14419]} إلى أسمائه من اسمه{[14420]} { إله } إلى غايه اسمه " الصبور " وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم{[14421]} إحاطتة ؛ كذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى{[14422]} هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى{[14423]} هذا الميم ، كما أن اسمه { الحي القيوم } أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته ؛ وكذلك{[14424]} هذا اللام بمنزلة ألفه وميمه ، وهي لام الإلهية الذي{[14425]} أسراره لطيف{[14426]} التنزل إلى تمام ميم قيوميته ؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، فهو قرآن حرفي يفصله{[14427]} قرآن كلمي يفصله{[14428]} قرآن{[14429]} كلامي انتهى .

فقوله : { الله } أي الذي آمن به الرسول وأتباعه{[14430]} بما له من الإحاطة بصفات الكمال{[14431]} { لا إله إلا هو }{[14432]} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز{[14433]} قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم{[14434]} عليه في المسألة . قال الحرالي : فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي{[14435]} الله في هذه الفاتحة هو ما{[14436]} استعلن به في قوله تعالى :{ قل هو الله أحد }[ الإخلاص : 1 ] ، ولما كان إحاطة العظمة أمراً خاصاً لأن العظمة إزار الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه " الله الصمد " الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه : أين الله ؟ فيقول : في السماء ، إلى حد{[14437]} علو أن يقول : فوق العرش ، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه { إله } الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام ، فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى{[14438]} هو من اسمه العظيم " الله " ، ورجع عليه باسم المضمر الذي{[14439]} هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيباً{[14440]} في بواطنها فتقول فيه : هو ، فكان هذا الخطاب مبدوءاً{[14441]} بالاسم العظيم المظهر منتهياً{[14442]} إلى الاسم المضمر ، كما كان خطاب{[14443]} { قل هو الله أحد }[ الإخلاص : 1 ] مبدوءاً بالاسم المضمر منتهياً إلى الاسم العظيم المظهر ، وكذلك أيضاً اسم الله الأعظم في سورة { قل هو الله أحد }{[14444]} [ الإخلاص : 1 ] كما هو في هذه{[14445]} الفاتحة .

ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام{[14446]} لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته{[14447]} هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال : { الحي } أي الحياة الحقيقية التي{[14448]} لا موت معها . ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير{[14449]} لعجزه عن الكفاية{[14450]} بنفسه في جميع الأعمال قال : { القيوم * } إعلاماً بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء . قال الحرالي : فكما أن الحياة{[14451]} بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى .

وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه ، وحث على مراقبته{[14452]} بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه . ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل{[14453]} به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك ، وهو الكتاب المذكور في قوله :{ بما أنزل إليه من ربه }[ البقرة : 285 ] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله :{ بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك }[ البقرة : 4 ] وفي آخرها بقوله{[14454]} { وكتبه ورسله }[ البقرة : 285 ] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار{[14455]} المرفوعة عنا ، ثم شرح بعده أمر{[14456]} التصوير في الأحشاء ، وذلك لأن المصالح قسمان : روحانية وجسمانية ، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو للروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق{[14457]} ، وأشرف{[14458]} المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية{[14459]} في أحسن هيئة ، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف .


[14332]:لم نظفر بنسخة م من هنا إلى آخر سورة الأنعام. ومن هذه السورة ابتدأ تصحيح زميلنا السيد محمد عمران العمرى الأعظمى حامل شهادة أفضل العلماء من جامعة مدارس بالهند، وقد انتهى تصحيح فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد شيخ الجامعة النظامية إلى نهاية سورة البقرة.
[14333]:ن، وفي الأصل: المنفرد.
[14334]:من ظ، وفي الأصل: رحمته اتحاد.
[14335]:ن ظ، وفي الأصل: رحمته اتحاد.
[14336]:زيد بعده في ظ: أي.
[14337]:ي ظ: الإيمان.
[14338]:ن ظ، وفي الأصل: وطن.
[14339]:ن ظ، وفي الأصل: والاصار.
[14340]:العبارة المحجوزة زيدت من ظ.
[14341]:قع في الأصل: يتعطف إليه ـ كذا، والتصحيح من ظ.
[14342]:قع في الأصل: يتعطف إليه ـ كذا، والتصحيح من ظ.
[14343]:ن ظ، وفي الأصل: كثيرا.
[14344]:ن ظ، وفي الأصل: ظهرا.
[14345]:في ظ: المقصد.
[14346]:من ظ، وفي الأصل: مرجعان.
[14347]:ورة 3 آية 18.
[14348]:ن ظ، وفي الأصل: للذين.
[14349]:من ظ، وفي الأصل: حا.
[14350]:من ظ، وفي الأصل: مجازيا.
[14351]:زيد من ظ.
[14352]:وفي تفسير روح المعاني 1/515: ووجه مناسبتها (أي البقرة) لتلك السورة أن كثيرا من مجملاتها تشرح وفي بما في هذه بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله والهدى إلى الصراط المستقيم ..... وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب.
[14353]:سورة 2 آية 21.
[14354]:من ظ، ووقع في الأصل: السنة ـ كذا مصحفا.
[14355]:في الأصل: فعبره، والتصحيح من ظ.
[14356]:في الأصل: فسميتها، والتصحيح من ظ.
[14357]:في ظ: فأنه.
[14358]:من ظ، وفي الأصل: خاصته.
[14359]:في الأصل وظ: لزهادة ـ كذا.
[14360]:من ظ، وفي الأصل: المتجلى.
[14361]:من ظ، وفي الأصل: لتغيب.
[14362]:ي ظ: تعجيب.
[14363]:من ظ، وفي الأصل: السايل.
[14364]:في الأصل: الشفعات، والتصحيح من ظ.
[14365]:ن ظ، وفي الأصل: وأنهم.
[14366]:من ظ، وفي الأصل: يصدقهم.
[14367]:في ظ: أو.
[14368]:سقط من ظ.
[14369]:في ظ: ووجه.
[14370]:ي ظ: انزل.
[14371]:ن ظ، وفي الأصل: مخفية.
[14372]:ي الأصل: عبادة، والتصحيح من ظ.
[14373]:ي الأصل: المنزل، والتصحيح من ظ، ولكن زيد فيه بعده: و.
[14374]:من ظ، وفي الأصل: على.
[14375]:يد في الأصل: حي، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفتها.
[14376]:زيد في الأصل "و" ولم تكن في ظ فحذفتها.
[14377]:قطت من ظ.
[14378]:قطت من ظ.
[14379]:ليس في ظ.
[14380]:ن ظ، وفي الأصل: رضى.
[14381]:من ظ، وفي الأصل: معنى.
[14382]:من ظ، وفي الأصل: مضنا.
[14383]:من ظ، وفي الأصل: نوار ـ كذا.
[14384]:من ظ، وفي الأصل: الكواكب.
[14385]:العبارة المحجوز ة زيدت من ظ.
[14386]:من ظ، وفي الأصل: اللفن.
[14387]:من ظ، وفي الأصل: علته.
[14388]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[14389]:من ظ، وفي الأصل: ووصله.
[14390]:من ظ، وفي الأصل: حاطة.
[14391]:في ظ: غيب.
[14392]:ن ظ، وفي الأصل: فكذلك.
[14393]:ن ظ، وفي الأصل: منزلة.
[14394]:زيد من ظ.
[14395]:سورة 2 آية 163.
[14396]:من ظ، وفي الأصل: الافصاح ـ كذا.
[14397]:ن ظ، وفي الأصل: لذلك.
[14398]:في الأصل: عمامتان وعمامتان، والتصحيح من ظ ولكن فيه: غيابتان ـ مكان: غيايتان؛ راجع النهاية (غيا).
[14399]:ي الأصل: عمامتان وعمامتان، والتصحيح من ظ ولكن فيه: غيابتان ـ مكان: غيايتان؛ راجع النهاية (غيا).
[14400]:ن ظ، وفي الأصل: لا يفترقان.
[14401]:في ظ: غيب.
[14402]:ي ظ: سورة.
[14403]:سورة 31 آية 2.
[14404]:قط من ظ.
[14405]:من ظ، وفي الأصل: الحواميم.
[14406]:من ظ، وفي الأصل: الخواتيم.
[14407]:في ظ: إحاطات.
[14408]:في ظ: ترائية.
[14409]:من ظ، وفي الأصل: مما.
[14410]:من ظ، وفي الأصل: الآية.
[14411]:من ظ، وفي الأصل: الآي.
[14412]:يد من ظ.
[14413]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14414]:من ظ، وفي الأصل: اسم.
[14415]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14416]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14417]:من ظ، وفي الأصل: المسمى.
[14418]:ن ظ، وفي الأصل: احد.
[14419]:في ظ: لأسمائه من أسماء.
[14420]:ي ظ: لأسمائه من أسماء.
[14421]:ن ظ، وفي الأصل: العظيم.
[14422]:ن ظ، وفي الأصل: لمنتهى.
[14423]:من ظ، وفي الأصل: لمنتهى.
[14424]:من ظ، وفي الأصل: ولذلك.
[14425]:في ظ: أسراه لطف.
[14426]:ي ظ: أسراه لطف.
[14427]:- من ظ، وفي الأصل: مفصلة
[14428]:في ظ: أسراه لطف.
[14429]:من ظ، وفي الأصل: قراة.
[14430]:قطت من ظ.
[14431]:سقطت من ظ.
[14432]:قطت من ظ.
[14433]:يد من ظ.
[14434]:ي الأصل وظ: تقويلكم.
[14435]:زيد من ظ.
[14436]:من ظ، وفي الأصل: مما.
[14437]:في ظ: عد.
[14438]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14439]:من ظ. وفي الأصل: إليه.
[14440]:من ظ، وفي الأصل: عيبا.
[14441]:من ظ، وفي الأصل: مبداوه.
[14442]:من ظ، وفي الأصل: منبها.
[14443]:من ظ، وفي الأصل: الخطاب.
[14444]:زيد ما بين الحاحزين من ظ.
[14445]:زيد ما بين الحاحزين من ظ.
[14446]:. زيد ما بين الحاحزين من ظ
[14447]:من ظ، وفي الأصل: انيه ـ كذا.
[14448]:في الأصل: الذي، والتصحيح من ظ.
[14449]:من ظ، وفي الأصل: وزيره.
[14450]:في الأصل: الكتابة، والتصحيح من ظ.
[14451]:في ظ: الحيوان.
[14452]:من ظ، وفي الأصل: امرافينه ـ كذا.
[14453]:من ظ، وفي الأصل: وجارتها من ظ، وفي الأصل: أفضل.
[14454]:زيد من ظ.
[14455]:في ظ: الاذصار ـ كذا.
[14456]:من ظ، وفي الأصل: لهذا.
[14457]:من ظ، وفي الأصل: الخلائق.
[14458]:في ظ: ولشرف.
[14459]:من ظ، وفي الأصل: النيه ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مدنية من غير خلاف ، وفي فضلها وعظيم قدرها مع سورة البقرة يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : " تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان{[1]} يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان " {[2]} .

وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمشاهد والمواقف والأحكام مما نعرض له بمشيئته الله وعونه وكلاءته في هذا التفسير .

ويأتي في طليعة ذلك كله الحديث عن حروف التهجي ، وهي الألف واللام والميم . وهذه واحدة من فواتح السور المبدوءة بها سورتنا هذه .

ومن مضامين هذه السورة أيضا إطراؤها للكتب السماوية الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والفرقان . وأن هذه الكتب قد جيء بها لبني البشر من أجل هدايتهم وترشيدهم ، وكيما يمضوا في هذه الحياة آمنين سالمين أخيار وقد أظلتهم أفياء الخير والمودة والعيش المطمئن الراغد .

وفي السورة بيان بأن هذا الكتاب الحكيم شطران ، أحدهما : آيات محكمات أي واضحات مستبينات . وهذا الشطر الأعظم من كتاب الله لا جرم أنه المتسع الأكبر لكل قضايا الدين والدنيا ، وأنه المعين الفياض الذي تستمد منه البشرية على مر الزمن كل معاني الخير والهداية ، وعامة قضايا الحكمة والمعرفة والتشريع .

ثانيهما : آيات متشابهات . أي غير واضحات من حيث معناها أو المراد منها ، بل هن محتملات مجملات لا يظهر مقصودها إلا بالنظر والتمحيص البالغين ، وإنما يناط ذلك بنخبة من أولي العلم والنظر ليبذلوا قصارى تفكيرهم واجتهادهم عسى أن يقفوا على المراد من مثل هذه الآيات المتشابهات .

وفي هذا الصدد يحذر الله سبحانه من فريق متحذلق يصطنع العلم والمعرفة اصطناعا . أولئك الذين يخوضون في كلام الله بغير حق ولا بصيرة ، والذين تلوك ألسنتهم مقالات التحريف والفتنة متذرعين بالظواهر لمثل هذه الآيات المتشابهان بقصد أو بغير قصد . وفي ذلك من الفتنة والتضليل وتشويش الأذهان ما لا يخفى .

وتذكر السورة بما جبل عليه الإنسان من ميل للشهوات الحقيقية ، الشهوات الأساسية المركوزة التي غالبا ما تأسر أعصاب الإنسان وعقله أسرا ، وهو بدوره يجنح خلفها جنوحا إلا أن يكون له زاد ضخم ورصين من اعتصام كإرادة صلبة مكينة ، أو عقيدة راسخة متينة تمسك بزمام الإنسان كله لتسلك به مسالك الخير والنجاة ، فلا يضل أو يزل أو يتردى .

وفي طليعة هذه الشهوات حب النساء . لا جرم أن ذلك حب راسخ ومفطور ، بل إن إحساس بالغ ومستكن لا مندوحة للإنسان عن مراعاته تمام المراعاة ، ولكن في غاية من الاهتمام والاتزان ومن غير تسيب في ذلك ولا فوضى ، وكلمة الإسلام في ذلك لهي خيرا ما عرفته البشرية في هذا الصدد . وهو ما نعرض له في حينه لدى الكلام عن تفسيره هذه الآية .

وكذلك حب البنين . وهم الأولاد والأحفاد ، فلذات الأكباد . وهو بعض آبائهم وأمهاتهم ؛ بل غنهم جزء من كيانهم العضوي والعقلي والروحي ، فلا يبرح المرء- ذكرا أو أنثى- حتى تراوده موجة الحب والحنين لولده ، فضلا عن استئثار البنين بالاعتبار الظاهر لدى العرب ، وهم يجدون في أبنائهم وسيلة للتعضيد والظهور في زحمة الواقع .

وكذلك حب المال . فإنه يستأثر بالنسبة الكبرى لحب البشرية وولعها بالدنيا ولذائذها وزخارفها . لا جرم أن حب المال قد استحوذ على قلب الإنسان وعلى طبعه وأعصابه ، فبات بذلك رهين هذه الشهوة الراسخة اللحاحة ، بل إن الإنسان على اختلاف أجناسه وتصوراته ومعتقده لا يبرح قلبه حب المال والرغبة المستديمة في الاستزادة من أكداسه الطائلة المركومة .

وتتضمن السورة الكريمة أيضا هذا القرار الرباني الحاسم . القرار الإلهي الأعظم الذي لا يخالطه شيء من ريبة أو زيغ . وإنما هو القرار الكامل الأمثل الذي يضع البشرية على الطريق السوي المتوازن ، بل يضعها على المحجة الناصعة المستقيمة ، المحجة السليمة من أي خلل أو اعوجاج ، وذلك بعد أن استكملت البشرية دورتها في عجلة الحياة السائرة الدائرة ، فاستقر بها الشأن إلى حال مكتمل من الثبات والتوازن والاعتدال . وهي في ذلك إنما يصلح حالها كله في ظل الإسلام الذي قرره الله للبشرية دينا كاملا شاملا طيلة حياتها الدنيا هذه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ذلكم هو القرار الكوني المجلجل الذي كتبه الله لعباده إذ جعل لهم الإسلام وحده دينهم المميز الأمثل ليرسم للبشرية من خلاله حياتها الكريمة الفضلى . حياة حافلة بالخير والعدل والنجاة والرحمة . فقال عز من قائل : ( إن الدين عند الله الإسلام ) .

وتتضمن السورة كذلك جملة اصطفاءات ربانية مميزة ، أولها اصطفاء آدم أبي البشر إذ خلقه الله من تراب على نحو مغاير للكيفية التي خلق بها بقية البشر حيث التناكح والإنجاب . ثم نوح ، وهو الأب الثاني للبشر بعد أن أهلك الله السالفين لما كفروا ولجوا بالجحود والعناد فأخذهم الطوفان الهادي فغرقهم تغريقا .

ثم آل إبراهيم . هذا النبي العظيم الخليل الذي جعل الله في ذريته النبوة فكان فيهم النبيون والمرسلون من بني إسرائيل . وهذا النبي خاتمهم الأكرم محمد صلى الله عليه و سلم .

وكذلك آل عمران إذ جعل الله من نسله خير نساء العالمين . تلك المرأة الطاهرة البتول الفضلى ( وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) هذه المرأة المبرأة المصون ، عنوان الطهر والعفاف ، قد كتب الله أن تحقق من خلالها معجزته العجيبة الخالدة بولادتها المسيح من غير أب ليكون نبيا وسيدا وحصورا .

وتتضمن السورة أيضا تقريرا لحقيقة راسخة ثابتة ، وهي انتفاء اليهودية والنصرانية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام لتقرر في مقابل ذلك أن خليل الله إنما كان حنيفا مسلما ، أي أنه كان على فطرة التوحيد الخالص الذي لا يخالطه ذرة من إشراك ، خلافا لليهودية والنصرانية اللتين خالطهما الشرك على اختلاف صورة سواء في ذلك عبادة بعض النبيين أو الأشخاص أو غيرهم من أشكال الهوى .

وتتضمن السورة أيضا إظهارا لشأن البيت الحرام حيث الكعبة المعظمة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا . وفي هذا الصدد من تكريم الكعبة وإطرائها يأتي ذكر الحد إذ جعله الله فرضا على كل مسلم قادر عاقل بالغ مستطيع .

ومما تضمنته هذه السورة كغيرها من السور الكثيرة المدنية قصة بني إسرائيل مع الأمم على امتداد الأحقاب والأدهار . وهي قصة لا جرم أنها طويلة ومريرة ومثيرة للدهش والتعجب ، إنها قصة الكيد للبشرية والتآمر عليها في قيمنها ومقوماتها وعظمائها من النبيين والمصلحين . وقد تجلى ذلك في صور شتى من ألوان الكيد ما بين قمع وقتل وتدمير وإبادة . إلى غير ذلك من وجوه السلب للخيرات والثروات واغتصاب الديار والأوطان وتشويه المبادئ والحقائق والأديان ونشر الفوضى والإرهاب والترويع والفساد ، يضاف إلى ذلك أيضا كيد الصليبية الحاقدة الظالمة ، الصليبية المتربصة المتعصبة التي لا تقيم وزنا لدين من أديان السماء ، ولا لقيمة من قيم الحق والإنسانية ، إلا التعصب الفاجر الأعمى ، والحقد الأسود المركوم ، الحق الذي يتخلل النفسية الغربية فيشوبها بشائبة الكراهية المقيتة للإسلام والمسلمين .

وتتضمن السورة أيضا قصة أحد وما حوته هذه المعركة من دروس جليلة مستفادة ما كان ينبغي أن تغيب عن أهان المسلمين في يوم من الأيام ، ويأتي في طليعة ذلك أن النصر المنزل من عند الله إنما يكتبه الله لعباده الأبرار الذين أخلصوا دينهم وسائر أعمالهم لله وحده ، فلم يخالطهم في ذلك أيما توجه نحو لعاعة من لعاعات الدنيا أو حظوة من حظواتها ، كالمال أو الجاه أو السلطان أو غير ذلك من وجوه الشهوة والهوى .

وغير ذلك من المواضيع والمسائل والمعاني كثير نقف عليه غي حينه إن شاء الله .

سبب نزول السورة :

قال المفسرون في نزول صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية : قدم وفد من نصارى نجران على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا ستين راكبا وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم . ومن بينهم ثلاثة نفر يئول إليهم أمرهم ، وهم : أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وهو عبد المسيح : ثم إمامهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم ، ثم أبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم ، فقد قدموا جميعا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ودخلوا مسجده حين صلى العصر وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة ، ولما حانت صلاتهم قاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال رسول الله : " دعوهم " فصلوا إلى المشرق ، فكلم أميرهم عبد المسيح وإمامهم الأيهم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أسلما " فقالا : قد أسلمنا قبلك . قال : " كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " قالا : إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه ؟ وخاصموه جميعا في عيسى ، فقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم : " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ " قالوا : بلى ، قال : " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى أتى عليه الفناء ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه ؟ " قالوا : بلى . قال : " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ " قالوا : لا . قال : " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذي الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ " قالوا : بلى . قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ " فسكتوا ، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها{[3]} .

البيان التفصيلي للسورة

بينا سابقا أن هذا السورة حافلة بالمعاني الزاخرة والمشاهد والأحكام الظاهرة مما نعرض لكل من ذلك في حينه بعون الله .

قوله تعالى : ( ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) .

نبادر هنا بالحديث عن الأحرف الهجائية الثلاثة التي بدئت بها هذه السورة وهي الألف واللام والميم على نحو ما بيناه في سورة البقرة عن هذه المسألة .

وهذه الأحرف الثلاثة واحدة من فواتح السور التي بدئ بها كثير من سور الكتاب الحكيم ، على أن الكلام في تفصيل هذه الأحرف الفواتح طويل مما هو موضع تفصيل وخلاف بين العلماء . حتى إن تأويل ذلك قد بلغ من الأقوال بضعا وعشرين وهي أقوال يميزها العمق والتباين والتفاوت{[383]} لكننا نقتضب منها أقوالا ثلاثة هي :

القول الأول : وهو أن مثل هذا العلم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقد ذهب إلى ذلك فريق من الصحابة وآخرين . وفي هذا الصدد يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر . وسره في القرآن أوائل السور .

وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي .

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه . وروي عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه ، لكن أهل الكلام أنكروا هذا القول وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا على ذلك بالآيات والأخبار والمعقول{[384]} .

القول الثاني : وهو قول قطرب . وهو أن الكفار لما قالوا : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وتواصوا بالإعراض عنه ، أراد الله تعالى أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبب لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليه من القرآن ، فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد صلى الله عليه و سلم : فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن ، فكان ذلك سببا لاستماعهم واسترعاء أذهانهن وقلوبهم{[385]} .

ومثل هذا القول معقول وسديد إذا أدركنا ما كان يجده العرب الأقدمون من روعة اللمس والتأثير وهم يتسمعون للقرآن في أول مرة ، فما كانوا يتسمعون لهذا الكلام الحكيم الفذ إلا وهو يجدون برد الإيقاع العجيب يمس قلوبهم ومشاعرهم مسا . ومن أجل ذلك تواصوا فيما بينهم أن يبادروا بالتشويش من لغط الكلام الفارغ اللاغي ما يحول بين القرآن وعقولهم ، حتى بودروا بمثل هاتيك الفواتح من حروف التهجي فما استوقفهم استيقافا ونشر في قلوبهم وأفكارهم غاشية من الوجوم الغامر المذهل . فما كانوا لينصتوا ويستمعوا حتى تفجأهم ألفاظ القرآن بسحائب كثاف مجلجلة من البهر القارع والجمال المستحوذ الأخاذ{[386]} .

القول الثالث : وهو قول المبرد وكثير من المحققين ، إذ قالوا : إن الله تعالى إنما مثل هذه الفواتح احتجاجا على الكفار . وذلك أن الرسول صلى الله عليه و سلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيها على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف ، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن . فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله وليس من عند البشر{[387]} .

ومثل هذا التأويل لا يقل –في نظري- سدادا ومعقولية عن التأويل الثاني السابق ؛ لما في ذلك من استنهاض للوجدان والحس والذهن جميعا كيما يصحو على الحقيقة الساطعة البلجة الماثلة للفطرة السليمة في هذا الكلام المعجز .


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[2]:مختار الصحاح ص 236.
[3]:مختار الصحاح ص 338.
[383]:- التفسير الكبير للرازي جـ1 ص 3-10.
[384]:- التفسير الكبير جـ 1 ص 3 ، 4.
[385]:- التفسير الكبير جـ1 ص 7.
[386]:- التفسير الكبير جـ 1 ص 7.
[387]:- التفسير الكبير جـ 1 ص 7.