ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقروناً بالخوف لما ذكر ، وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد العصمة من الناس ، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من{[22495]} الرعب وغير ذلك من الأمور القاضية بأن له العاقبة ؛ بيَّن سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية عند الخوف ، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش{[22496]} بغيبته صلى الله عليه وسلم ، فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه وسلم فيهم مفهوم موافقة ، فقال سبحانه وتعالى : { وإذا كنت } حال الخوف الذي تقدم فرضه { فيهم } أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر { فأقمت } أي ابتدأت وأوجدت { لهم الصلاة } أي الكاملة وهي المفروضة { فلتقم طائفة منهم معك } أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو ، ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو { وليأخذوا } أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر{[22497]} { أسلحتهم } كما يأخذها من هو خارج الصلاة ، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه{[22498]} " أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً ، قال جابر رضي الله تعالى عنه : فلما صلينا الظهر قال المشركون : لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم{[22499]} ، فأخبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فذكر ذلك لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال : وقالوا{[22500]} : إنه{[22501]} ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد{[22502]} فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة " الحديث { فإذا سجدوا } يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره ، فيكون الضمير في { فليكونوا } للجمع الذين{[22503]} منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار في قوله { وإذا كنت فيهم } وفي { فلتقم طائفة منهم } أي فإذا سجد{[22504]} الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم { من ورائكم } فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة { ولتأت طائفة أخرى } أي من الجماعة { لم يصلوا فليصلوا معك } كما صلت الطائفة الأولى ، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية ، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم{[22505]} صلاتها ، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة ؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود{[22506]} الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل ، فكأنه قال : فإذا صلوا ، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه ، والضمير حينئذ في " فليكونوا " للطائفة الساجدة ، وقوله : { وليأخذوا } يمكن أن يكون{[22507]} ضميره للكل ، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي ، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء ، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون { حذرهم وأسلحتهم } في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها ، فجعل الحذر الذي هو التيقظ{[22508]} والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة ، وخص في استعماله في الصلاة {[22509]}في شأن العدو وخص آخر الصلاة{[22510]} بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر ، فلهذا خص بمزيد الحذر ، وهذا الكلام على{[22511]} وجازته محتمل{[22512]} - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة{[22513]} في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه{[22514]} القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما واراه{[22515]} السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال { ولم يصلوا } أي بقيد المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي .
وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة
{ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم }[ النساء : 71 ] فهو{[22516]} من رد المقطع على المطلع ، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقوياً لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب عليهم : { ودَّ } أي تمنى تمنياً عظيماً { الذين كفروا } أي باشروا الكفر وقتاً ما ، فكيف بمن هو غريق فيه { لو تغفلون } أي {[22517]}تقع لكم{[22518]} غفلة في وقت ما { عن أسلحتكم } .
ولما كانت القوة بالآلات{[22519]} مرهبة للعدو ومنكبة قال : { وأمتعتكم } ولما كانت الغفلة ضعفاً ظاهراً ، تسبب{[22520]} عنها قوله : { فيميلون } وأشار إلى العلو والغلبة بقوله{[22521]} : { عليكم } وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله : { ميلة } وأكده بقوله : { واحدة } .
ولما كان الله - وله المنّ - قد رفع عن هذه الأمة الحرج ، وكان{[22522]} المطر والمرض شاقين قال : { ولا جناح } أي حرج { عليكم إن كان بكم أذى } أي وإن كان يسيراً { من مطر } أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سبباً لبلّه { أو كنتم مرضى } أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص { أن تضعوا أسلحتكم } أي لأن حملها يزيد المريض وهنا .
ولما خفف ما أوجبه أولاً من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر ، فكان التقدير : فضعوه إن شئتم ؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله : { وخذوا حذركم } أي في كل حالة ، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر ؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعاً للمؤمنين ، وإعلاماً بأن الأمر بالحزم{[22523]} إنما هو للجري{[22524]} على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب ، فهو من باب{[22525]} " اعقلها وتوكل{[22526]} " فقال : { إن الله } المحيط علماً وقدرة { أعدَّ } أي في الأزل{[22527]} { للكافرين } أي الدائمين{[22528]} على الكفر ، لا من اتصف به وقتاً ما وتاب منه { عذاباً مهيناً * } أي يهينهم{[22529]} به ، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدماً ، ولا تمكنهم معه منكم فرصة .
قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) هذه صلاة الخوف يؤديها المسلمون في ساحة الجهاد إن كانوا يخشون العدو المتربص بهم والذين يتحيّن فيهم ساعة من غفلة أو انشغال . والعدو المتربص ماكر حاقد يودّ للإسلام أن يتهدّم أو يتداعى ويتمنّى للمسلمين سوء الحال من الهزيمة والدمار ؛ ولذلك شرع الله لعباده المؤمنين هذا الضرب من الصلاة ليكونوا على حذر وليفوتّوا على أعدائهم المتربصين أية فرصة ينفذون منها لمحاربتهم والقضاء عليهم .
وقد ورد في صلاة الخوف من حيث كيفيتها وصفتها روايات كثيرة نقتصر منها على ثلاث لتتضح من خلالها صورة وافية مستبينة عن هذه الصلاة .
الرواية الأولى : وهي عن الإمام أحمد فقد أخرج بإسناده ، عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ( ص ) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد بيننا وبين القبلة فصلّى بنا رسول الله ( ص ) الظهر فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم . ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) قال : فحضرت- يعني الصلاة- فأمرهم رسول الله ( ص ) فأخذوا السلاح قال : فصففنا خلفه صفين قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، ثم سجد النبي ( ص ) بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدّم هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء ، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي ( ص ) والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلس الآخرون فسجدوا ثم سلّم عليهم ثم انصرف " .
الرواية الثانية : وهي عن الإمام أحمد أيضا بإسناده عن جابر بن عبد الله قال : قاتل رسول الله ( ص ) محارب حفصة رجل منهم يقال غرس بن الحرث حتى قام على رسول الله ( ص ) بالسيف فقال : من يمنعك مني ؟ ! " قال : الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ( ص ) فقال : من منعك مني ؟ قال : كن خير آخذ . قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " قال : لا ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلّى سبيله ، فقال : جئتكم من عند خير الناس . فلما حضرت الصلاة صلّى رسول الله ( ص ) صلاة الخوف فكان الناس طائفتين ، طائفة بإزاء العدوّ وطائفة صلّوا مع رسول الله ( ص ) فصلّى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا ، فكانوا مكان الطائفة الذين بإزاء العدو ، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو مع رسول الله ( ص ) ركعتين فكان لرسول الله ( ص ) أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين " .
الرواية الثالثة : وهي عن البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : قام النبي ( ص ) وقام الناس معه فكبّروا وكبّروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا .
هذه روايات ثلاث من أخرى كثيرة تتعلق كلها بصلاة الخوف وهي بأسانيد صحيحة وقوية . وما يبدو من اختلاف أو تعارض بين تلك الروايات لا يقلل من أهميتها أو اعتماد واحدة منها . والاختلاف أو التعارض- كما يبدو- قد جاء تبعا لاختلاف الظروف والمناسبات العسكرية التي كانت تمر بالمسلمين والنبي وهم في ساحة المعركة يواجهون العدو . وذلك كان يجعل النبي ( ص ) يصلّي بالمسلمين في الحرب على أكثر من هيئة ، فتارة صلّى بهم مجتمعين ، وصلّى بهم متفرقين تارة أخرى ، فضلا عن اختلاف الهيئة للصلاة نفسها حين الاجتماع أو حين التفريق . والمعلوم في ذلك أن النبي ( ص ) صلى بالمسلمين صلاة الخوف مرات عديدة تبعا لطبيعة المعركة ووجهة العدو . وبذلك فإن الاستناد إلى آية رواية لاعتمادها والركون إليها يعتبر صحيحا لما يعززها من دليل صحيح .
أما صلاة المغرب من حيث هيئتها وكيفيتها فإن الذي عليه الجمهور وهو أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى من المسلمين ركعتين وبالثانية ركعة واحدة . وقيل غير ذلك .
وثمة مسألة تتعلق بصلاة الخوف حال الالتحام مع العدو في حرب طاحنة ضروس يصعب معها على المسلمين أن ينتظموا جميعا في صف واحد أو صفين . وفي هذه خلاف ، فقد ذهب مالك والشافعي وعامة أهل العلم إلى أن لكل مسلم- والحالة هذه- أن يصلي مثلما يستطيع ، سواء كان راكبا أو قائما أو قاعدا ، وهيئته في ذلك أن يوميء إيماء ، وسواء عليه كذلك أن يصلي مستقبل القبلة أو مستدبرها أو غير ذلك .
وإذا كان الخوف أشد من ذلك والمسلمون في ضراب شديد متلاحم لا مجال عنده للانثناء عن القتال ولو فترة تقام فيها الصلاة حتى ولا الإيماء إيماء ، إذا كان الخوف كذلك جاز للمسلمين أن يؤخروا الصلاة ريثما تهدأ المعركة وينطفي لهيبها ثم تؤدى الصلاة في أمن وطمأنينة{[825]} .
ومن أعظم ما نقف عليه هنا ونحن نتلو هذه الآية ، هذا الاعتبار العظيم للصلاة الذي لا يداننيه اعتبار وهذا التشديد البالغ على الالتزام بفريضة الصلاة لكي تؤدى في وقتها مهما تكن الظروف إلا أن يشتد التلاحم اشتدادا يستحيل معه الاصطياف للصلاة في جماعة أو حتى مجرد الصلاة انفرادا . وذلك تأكيد عظيم على أهمية الصلاة وخطورتها باعتبارها العماد الأساسي الذي ينبني عليه الدين كله .
ونقف كذلك على حقيقة أخرى تكشف عن طبيعة اليسر في هذا الدين . وهو دين يلائم الفطرة الإنسانية ، أفضل وأمثل ما تكون عليه الملاءمة من هوادة ومراعاة . وفي هذا من التيسير ودفع الحرج ما يكتب للإسلام دوام الصلوح والبقاء وما يجعله مناسبا لحياة الإنسان في مختلف جوانبه ومركّباته البدنية والنفسية والروحية .
على أن المخاطب في الآية هو النبي ( ص ) أولا ، ثم الولاة والأمراء من بعده إلى يوم القيامة وذلك الذي ذهب إليه أهل العلم جميعا إلا ما كان من شذوذ لا يعوّل عليه .
وقوله : ( وليأخذوا أسلحتهم ) المقصود بواو الجماعة موضع خلاف على ثلاثة أقوال :
الأول : هي الطائفة التي تواجه العدوّ وتحرس المسلمين .
الثاني : هي الطائفة نفسها التي تصلي مع الإمام ، فهي المطالبة بأخذ السلاح حال الصلاة وفي ذلك ترعيب للأعداء وتخويف .
الثالث : أن المقصود هم المحاربون جميعا سواء منهم المصلي أو القائم . فهم مقصودون بهذا النداء الرباني لكي يحملوا أسلحتهم وذلك أشد ترعيبا للعدو وتخويفا .
ذلك ما قيل عن المقصود بالواو في قوله : ( وليأخذوا ) لكن الذي يترجّح لديّ هو القول الأول استنادا إلى أن حمل المصلّي للسلاح لا ينطوي على كبيرة فائدة مادام ساكنا خاشعا لا يحارب . فإنه ليس من شأن المصلي غير التفرغ الكامل لأعمال الصلاة وأدائها في وعي وطمأنينة . وأي انفتال عنها يبطلها . وكذلك فإن سياق الكلام الذي يعرض لهذه المسألة يعزّز أن يكون القول الأول هو الصحيح . يتبين ذلك في جلاء من قوله تعالى : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) . ثم يأتي التأكيد لهذا المقصود في قوله تعالى : ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) .
قوله : ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) يتمنى الأعداء غفلة المؤمنين عن أسلحتهم وأمتعتهم التي يقوون بها على المرابطة والجلاد لينقضّوا عليهم في هجمة حاسمة قاصمة ، تتبدد فيها شوكتهم وتذهب معها ريحهم . وذلك شأن المشركين الذين يشاقّون الله ورسوله ويودّون أن تحيق الهزيمة القاضية بالإسلام وأهله وأن يروا الدين وقد تحول إلى أثر بعد عين أو أنه استحال إلى ذكريات وخواطر تتضمنها الكتب والقراطيس . ولا جرم أن تذكرنا هذه الآية بما حل بالمسلمين من هزائم ونكسات ذاقوا بعدها البلاء والشدّة نتيجة للثقة الزائفة بقدرتهم الموهومة أو بقياداتهم الكاذبة المخادعة ، وكذلك نتيجة لركونهم للإهمال واللامبالاة حتى إذا كانوا في غمرة عارمة من اللهو والغفلة مال عليهم العدو ميلة واحدة فأنزل فيهم ضربة باترة موجعة تدمّر عليهم قواهم ومنجزاتهم ثم تجتاحهم اجتياحا لتغزوهم في عقر ديارهم وهم داخرون مقهورون .
قوله : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) .
أكثر أهل العلم على أن حمل المصلّي للسلاح في ساحة الجهاد مندوب . فإذا قام المؤمن للصلاة أخذ سلاحه وذلك أفضل من الوجهة الدينية وقد حمل العلماء قوله تعالى : ( وليأخذوا أسلحتهم ) على الندب والاستحباب . وذهب أهل الظاهر والشافعي وغيرهم إلى وجوب حمل السلاح للمسلم حال الصلاة وذلك لظاهر الأمر في قوله تعالى : ( وليأخذوا ) على أن يكون ذلك حين الخوف فإن وجوب أخذ السلاح في ظاهر الآية مشروط بحصول الخوف من العدوّ فعلا . والراجح ما قاله أكثر أهل العلم وفيهم أبو حنيفة وهو أن أخذ السلاح للمصلي مندوب لحمل الأمر في الآية على الندب ؛ ولأن في دوام الحمل مشقة كبيرة وتعريضا للسلاح للتلف .
وفي قوله سبحانه : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر . . . ) نفي للبأس أو الحرج فيما وضعوا السلاح خشية التأذي من المطر أو كانوا مرضى فيشق عليهم حمله حين الصلاة على أن يكونوا على حذر دائم لا ينقطع ؛ كيلا يفجأهم العدو على غرّة . والآية تعاود التأكيد في تحضيض بالغ لكي يحذر المسلمون عدّوهم حذرا يمكنهم من دوام الحيطة والمراقبة وذلك في قوله تعالى : ( وخذوا حذركم ) .
ويأتي اختتام الآية في وعيد من الله لهؤلاء الخصوم الكفرة الذين قد أعد الله لهم سوء العذاب تكوى به جسومهم وهم يصارعون المرارة والهوان ، بعد أن يذيقهم بأس التقهقر وذلك الهزيمة في هذه الدنيا على أيدي المسلمين الصادقين المخلصين{[826]} .