ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني{[21495]} العدم ، ومنعت قوة يد القهر والجبر{[21496]} أن يكتم حديثاً ، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم ، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره ، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال : { يا أيها الذين أمنوا } أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله ، وأوله {[21497]}وأولاه{[21498]} أن لا تشركوا به شيئاً من الإشراك { لا تقربوا الصلاة } أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلاً عن أن تفعلوها { وأنتم } أي والحال أنكم { سكارى } أي غائبو العقل {[21499]}من الخمر أو نحوها ، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل{[21500]} - إلى شيء من الإشراك ، فيكون شركاً لسانياً وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان ، فيوشك أن يعرض ذلك{[21501]} عليه يوم الوقوف الأكبر ، فإن من أنتم{[21502]} بين يديه لا يكتم حديثاً ، فيود{[21503]} من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم ! وأصل السكر في اللغة : سد الطريق ؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري : رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم{[21504]} الخمر ، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ
{ قل يا أيها الكافرون }{[21505]}[ الكافرون : 1 ] فنزلت " هكذا رواه ، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري ، فبينوا المراد ، وهو أن الذي صلى بهم قرأ : أعبد ما تعبدون ، وفي رواية الترمذي : ونحن نعبد ما تعبدون{[21506]} .
ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه ، صرح به في قوله : { حتى } أي ولا يزال هذا النهي قائماً حتى { تعلموا } بزوال السكر { ما تقولون } فلا يقع منكم حينئذ تبديل ؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد ، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه ؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن {[21507]}يفهم ، أي{[21508]} يصحو ، ونهى{[21509]} كل واحد{[21510]} أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفاً على محل { وأنتم سكارى } : { ولا } أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها{[21511]} فضلاً عنها { جنباً } أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين ، لأن الجنابة المني{[21512]} سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة { إلا عابري سبيل } أي مارين مروراً من غير مكث ولا صلاة ؛ ولما غيَّى منع الجنابة بقوله : { حتى تغتسلوا } أي تغسلوا البدن عمداً ، ولما{[21513]} كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها{[21514]} عليه{[21515]} استعمال الماء ؛ ذكرها فقال مرتباً لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج : { وإن كنتم مرضى } أي بجراحة أو غيرها مرضاً يمنع من طلب الماء أو استعماله { أو على سفر } كذلك{[21516]} سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً { أو جاء أحد منكم } أي أيها المؤمنون ! ولو كان حاضراً صحيحاً { من الغائط } أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي{[21517]} ، أي : أو جاء من التخلي{[21518]} فقضى حاجته التي لا بد له منها ، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده .
ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون{[21519]} بجماع أو غيره ، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال : { أو لامستم النساء } أي{[21520]} بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا ، وأخر هذا لأنه{[21521]} مما منه بد ، و{[21522]}لا يتكرر تكرر{[21523]} قضاء{[21524]} الحاجة { فلم تجدوا ماء } أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله { فتيمموا } أي اقصدوا قصداً صادقاً بأن تلابسوا ناوين{[21525]} { صعيداً } أي تراباً { طيباً } أي طهوراً خالصاً فهو بحيث ينبت{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه{[21526]} }[ الأعراف : 58 ] { فامسحوا } وهذه عبادة خاصة بنا .
ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصراً للفعل في قوله : { بوجوهكم } أي أوقعوا المسح بها سواء عم{[21527]} التراب منبت الشعر أم لا { وأيديكم } أي منه كما صرح به في المائدة ، لا فيه ولا عليه مثلاً ، ليفهم التمعك ، أو أن الحجر{[21528]} مثلاً يكفي ، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب{[21529]} عن المس ، أو{[21530]} هو مماسة خاصة ، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ .
ولما نهى عما يدني من{[21531]} وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به سبحانه وتعالى ، وخفف ما كان شديداً بالتيمم ؛ ختم الآية بقوله : { إن الله } أي{[21532]} الذي اختص بالكمال { كان عفوّاً } أي بترك العقاب {[21533]}على الذنب ، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر { غفوراً * } أي بترك العقاب{[21534]} وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلاً ، وكأن هذا راجع إلى التيمم ، فإن الصلاة معه حسنة ، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقباً عليها ، إما على تركها لمشقة{[21535]} استعمال الماء عند التساهل ، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه{[21536]} التنطع ، وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة
{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج }[ المائدة : 6 ] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسراً غير معسر .
" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة " أي لا تُصَلُّوا " وأنتم سكارى " من الشراب لأن سبب نزولها صلاة جماعة في حالة سكر " حتى تعلموا ما تقولون " بأن تصحوا " ولا جنبا " بإيلاج أو إنزال ، ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره " إلا عابري " مجتازي " سبيل " طريق أي مسافرين " حتى تغتسلوا " فلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأن له حكما آخر سيأتي ، وقيل المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلى عبورها من غير مكث " وإن كنتم مرضى " مرضاً يضره الماء " أو على سفر " أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون " أو جاء أحد منكم من الغائط " هو المكان المعد لقضاء الحاجة أي أحدث " أو لامستم النساء " وفي قراءة " لمستم " بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس هو الجس باليد ، قاله ابن عمر وعليه الشافعي وألحق به الجس بباقي البشرة ، وعن ابن عباس هو الجماع [ فلم تجدوا ماء ] تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع إلى ماعدا المرضى [ فتيمموا ] اقصدوا بعد دخول الوقت [ صعيدا طيبا ] ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين [ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ] مع المرفقين منه ، ومَسَحَ يتعدى بنفسه وبالحرف [ إن الله كان عفوا غفورا ]