البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ} (108)

{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلماً للعالمين } الإشارة بتلك قيل : إلى القرآن كله .

وقيل : إلى ما أنزل من الآيات في أمر الأوس والخزرج واليهود الذين مكروا بهم ، والتقدم إليهم بتجنب الافتراق .

وكشف تعالى للمؤمنين عن حالهم وحال أعدائهم بقوله : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } وقيل : تلك بمعنى هذه لما انقصت صارت كأنها بعدت .

وقال الزمخشري : تلك آيات الله الواردة في الوعد والوعيد ، وكذا قال ابن عطية .

قال الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفارة وتنعيم المؤمنين .

وقرأ الجمهور نتلوها بالنون على سبيل الالتفات ، لما في إسناد التلاوة للمعظم ذاته من الفخامة والشرف .

وقرأ أبو نهيك بالياء .

والأحسن أنْ يكون الضمير المرفوع في نتلوها في هذه القراءة عائد على الله ، ليتحد الضمير .

وليس فيه التفات ، لأنه ضمير غائب عاد على اسم غائب .

ومعنى التلاوة : القراءة شيئاً بعد شيء ، وإسناد ذلك إلى الله على سبيل المجاز ، إذ التالي هو جبريلٌ لما أمره بالتلاوة كان كأنه هو التالي تعالى .

وقيل : يجوز أن يكون معنى يتلوها ينزلها متوالية شيئاً بعد شيء .

وجوزوا في قراءة أبي نهيك أن يكون ضمير الفاعل عائداً على جبريل وإنْ لم يجر له ذكر للعلم به .

ومعنى بالحق أي بإخبار الصدق .

وقيل : المعنى متضمنة الأفاعيل التي هي أنفسها حق من كرامة قوم وتعذيب آخرين .

وتلك مبتدأ أو آيات الله خبره ، ونتلوها جملة حالية .

قالوا : والعامل فيها اسم الإشارة .

وجوزوا أن يكون آيات الله بدلاً ، والخبر نتلوها .

وقال الزجاج : في الكلام حذف تقديره تلك آيات القرآن المذكورة حجج الله ودلائله انتهى .

فعلى هذا الذي قدره يكون خبر المبتدأ محذوف ، لأنّه عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية .

ولا حاجة إلى تقدير هذا المحذوف ، إذ الكلام مستغن عنه تام بنفسه .

والباء في بالحق باء المصاحبة ، فهي في الموضع الحال من ضمير المفعول أي : ملتبسة بالحق .

وقال الزمخشري : ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه انتهى .

فدسّ في قوله بما يستوجبانه دسيسة اعتزالية .

ثم أخبر تعالى أنه لا يريد الظلم ، وإذا لم يرده لم يقع منه لأحد .

فما وقع منه تعالى من تنعيم قوم وتعذيب آخرين ليس من باب الظلم ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه .

روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا » وفي الحديث الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدّنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدّنيا ما عمل لله بها ، فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها » وقيل : المعنى لا يزيد في إساءة المسيء ولا ينقص من إحسان المحسن ، وفيه تنبيه على أن تسويد الوجوه عدل انتهى .

وللعالمين في موضع المفعول للمصدر الذي هو ظلم ، والفاعل محذوف مع المصدر التقدير : ظلمه ، والعائد هو ضمير الله تعالى أي : ليس الله مريداً أن يظلم أحداً من العالمين .

ونكر ظلماً لأنّه في سياق النفي ، فهو يعم .

وقيل : المعنى أنه تعالى لا يريد ظلم العالمين بعضهم لبعض .

واللفظ ينبو عن هذا المعنى ، إذ لو كان هذا المعنى مراداً لكان من أحق به من الكلام ، فكان يكون التركيب : وما الله يريد ظلماً من العالمين .

وقال الزمخشري : وما الله يريد ظلماً فيأخذ أحداً بغير جرم ، أو يزيد في عقاب مجرم ، أو ينقص من ثواب محسن ، ثم قال : فسبحان من يحلم عن من يصفه بإرادة القبائح والرّضا بها ، انتهى كلامه جارياً على مذهبه الاعتزالي .

ونقول له : فسبحان من يحلم عمن يصفه بأن يكون في ملكه ما لا يريد ، وإن إرادة العبد تغلب إرادة الرب تعالى الله عن ذلك .

/خ109