البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } هذا سؤال استبعاد وقوع الكفر منهم مع هاتين الحالتين : وهما تلاوة كتاب الله عليهم وهو القرآن الظاهر الإعجاز ، وكينونةَ الرسول فيهم الظاهر على يديه الخوارق .

ووجود هاتين الحالتين تنافي الكفر ولا تجامعه ، فلا يتطرّق إليهم كفر مع ذلك .

وليس المعنى أنه وقع منهم الكفر فوبخوا على وقوعه لأنهم مؤمنون ، ولذلك نودوا بقوله : يا أيها الذين آمنوا .

فليس نظيرُ قوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً } والرسول هنا : محمد صلى الله عليه وسلم بلا خلاف .

والخطاب قال الزجاج : لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه .

وقيل : لجميع الأمة ، لأن آثاره وسنته فيهم ، وإنْ لم يشاهدوه .

قال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب الله ، ونبي الله .

فأما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهرهم رحمة منه ونعمة فيه ، حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته .

وقيل : الخطاب للأوس والخزرج الذين نزلت هذه الآية فيما شجر بينهم على ما ذكره الجمهور .

وقرأ الجمهور تتلى بالتاء .

وقرأ الحسن والأعمش : يتلى بالياء ، لأجل الفصل ، ولأن التأنيث غير حقيقي ، ولأن الآيات هي القرآن .

قال ابن عطية : وفيكم رسوله هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه صلى الله عليه وسلم وهو في أمّته إلى يوم القيامة بأقواله وآثاره .

وقال الزمخشري : وكيف تكفرون معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب ، والمعنى : من أين يتطرّق إليكم الكفر ، والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية وبين أظهركم رسول الله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ؟ .

{ ومن يعتصم بالله فقد هديَ إلى صراط مستقيم } قال ابن جريج : ومن يؤمن بالله .

ويناسب هذا القول قوله : { وكيف تكفرون } وقيل : يستمسك بالقرآن .

وقيل : يلتجىء إليه ، فيكون على هذا القول حقاً على الالتجاء إلى الله في دفع شرور الكفار .

وجواب من فقد هدى وهو ماضي اللفظ مستقبل المعنى ، ودخلت قد للتوقع ، لأن المعتصم بالله متوقع للهدى .

/خ101