{ ضراراً } : أي لأجل الإِضرار .
{ وإرصاداً } : انتظاراً وترقباً .
{ إلا الحسنى } : أي إلا الخير والحال الأحسن .
ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض وللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم صلى الله عليه وسلم " أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال " . فلما عاد صلى الله عليه وسلم من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالِم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } أي لأجل الإِضرار بالمسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحى وقوله { وكفراً } أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله { وتفريقاً بين المؤمنين } علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة : ( فرق تسد ) { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن انهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلِّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم .
وقوله تعالى { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة ، وقوله تعالى { والله يشهد إنهم لكاذبون } تفنيد لقولهم وتقرير لكذبهم .
1- بيان أكبر مؤامرة ضد الإِسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب .
2- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإِسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإِسلام . وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحي فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال له مواجهة : ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم . بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود ما حاربوا الإِسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل .
- لا يصح الاِغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها .
- أيما مسجد بُني للإِضرار والتفرقة بين المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه .
قوله تعالى : { والذين اتخذوا مسجدا ضرار وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون 107 لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } .
سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام مكانة عالية وذكر عظيم وقد أظهرهم الله يوم بدر ، اغتاظ أبو عامر وبارز رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ، ثم خرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان ما حصل للمسلمين من ابتلاء قد امتحنهم الله به . وكان هذا الفاسق اللعين ، أبو عامر الراهب ، قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشح رأسه صلوات الله وسلامه عليه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن فأبي أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا ، فنالته هذه الدعوة ؛ وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده . وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب بعدهم ويمينهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده هما هو فيه . وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته . وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فقال : ( إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله ) فلما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، تزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة{[1897]} .
قوله : { ضرارا } في إعرابه ثلاثة أوجه . الأول : أنه مفعول لأجله . أي مضارة لإخوانهم .
الثاني : أنه مفعول به ثان لقوله : { اتخذوا } .
الثالث : أنه مصدر في موضع الحال من فاعل { اتخذوا } أي تخذوا مضارين لإخوانهم . وقيل : منصوب على المصدرية ؛ أي يضرون بذلك غيرهم ضرارا{[1898]} والضرر معناه طلب الضرر والعمل على إيقاعه وحصوله .
قوله : { وكفرا } أي يكفروا فيه ؛ فقد اتخذوا هذا المسجد ذريعة لهم ليغطوا بع كفرهم ونفاقهم ، وليتمكنوا من خلاله من الإضرار بالمسلمين ، وليفسدوا عليهم حالهم وشأنهم ، فيكون ذلك طريقا للقضاء على دين الله . لا جرم أن قصدهم هذا يصممهم بالكفر .
قوله : { وتفريقا بين المؤمنين } وهم أهل قباء ؛ فقد أراد أبو عامر الراهب ومعه زمرة النفاق والباطل أن يحل بالمؤمنين الشقاق والاختلاف ، وأن يأتي عليهم الفرقة فينفلتوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمنافقين في ذلك إنما يؤزهم الحسد والحقد وخسة الطبع الآسن ، وأولئك هم المناقون في كل زمان ؛ يتربصون بالإسلام والمسلمين دوائر الشر والسوء ، ويبتغون لهم الإفساد والتدمير والهلكة .
قوله : { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } فقد أعد المنافقون هذا المسجد كيما يكون لهم موضعا يتربصون فيه بالمسلمين وينطلقون منه للإفساد والتخريب ، وليثيروا بين المسلمين الفرقة والشك والاختلاف ، وليكون لهم ذريعة للاجتماع والتلاقي بين المنافقين والحاقدين الذين حاربوا الله ورسوله { من قبل } أي من قبل أن يتخذ هذا المسجد .
قوله : { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون } ليحلفن ، جواب قسم مقدر ؛ أي : والله ليحلفن . وقوله : { إن أردنا } جواب لقوله : { وليحلفن } .
وقوله : { إن } أداة نفي . ولذلك وقع بعدها { إلا } و { الحسنى } ، صفة لموصوف محذوف ؛ أي الخصلة الحسنى ، أو إلا لإرادة الحسنى ، وهي الصلاة{[1899]} .
هؤلاء المنافقون يحلفون ، كاذبين أنهم ما قصدوا من بناء هذا المسجد إلا الحسنى وهي الصلاة والتوسعة على أنفسهم وعلى الضعفاء والعجزة من الناس الذين يعجزون عن المسير إلى مسجد قباء لضعفهم وشدة المشقة عليهم في ذلك .
هكذا يحلف المنافقون ، وهم يعلمون أنهم كاذبون ؛ يحلفون أن قصدهم الخير والتوسعة لكن الله جل وجلاله ، هو علام الغيوب ، كاشف الأسرار والخبايا ، الخبير بما في القلوب من الخفايا { يشهد إنهم لكاذبون } وكفى بهذه الشهادة الكبرى من رب العالمين الشهادة التي تتضاءل دونها كل الشهادات ؛ شهادة ربانية مجلجلة تهتف بأن هؤلاء المنافقين كاذبون ، فهم في الحقيقة إنما يبتغون من بناء مسجدهم هذا إشاعة الظنون والاختلاف والفوضى بين المسلمين ليميتوا عليهم دينهم وليبددوه تبديدا . وهذا هو دأب المنافقين وديدنهم في كل زمان ؛ سواء في زمت التوبة المباركة والأزمنة المتعاقبة بعدها ؛ فالنفاق هو النفاق ؛ والمنافقون على حالهم وطبيعتهم من فساد الضمائر وخبث القلوب والمقاصد ، واشتداد الحسد والكراهية للإسلام والمسلمين .
والمنافقون وأعوانهم يلتئمون في كل زمان ليدبروا للمسلمين شر المكايد بكل الأساليب حتى وإن بلغ بهم سوء الكيد والتخطيط أن يصطنعوا للمسلمين مسجدا يستترون . فيخفون مكرهم ونفاقهم ، وليسلكوا من خلاله سبيل التربص بالمسلمين والطعن في دينهم .