أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

شرح الكلمات :

{ أكنة } : جمع كنان ما يكن فيه الشيء كالغطاء .

{ وقرا } : ثقلاً وصمماً فهم لا يسمعون .

{ يجادلونك } : يخاصمونك .

{ أساطير الأولين } : جمع أسطورة : ما يكتب ويحكى من أخبار السابقين .

المعنى :

ما زال السياق في الحديث عن أولئك العادلين بربهم المشركين به سواه فيخبر تعالى عن بعضهم فيقول { ومنهم ومن يستمع إليك } حال قراءتك القرآن ولكنه لا يعيه قلبه ولا يفقه ما فيه من أسرار وحكم تجعله يعرف الحق ويؤمن به ، وذلك لما جعلنا حسب سنتنا في خلقنا من أكنة على قلوبهم أي أغطية ، ومن وقر أي ثقل وصمم في آذانهم ، فلذا هم يستمعون ولا يسمعون ، ولا يفقهون وتلك الأغطية وذلك الصمم هما نتيجة ما يحملونه من بغض للنبي صلى الله عليه وسلم وكره لما جاء به من التوحيد ولذا فهم لو يرون كل آية مما يطالبون من المعجزات كإحياء الموتى ونزول الملائكة عياناً لا يؤمنون بها لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا ولذا قال تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك } أي في شأن التوحيد وآلهتهم { يقول الذين كفروا إن هذا } أي ما هذا { إلا أساطير الأولين } ، أمليت عليك أو طلبت كتابتها فأنت تقصها ، وليس لك من نبوة ولا وحي ولا رسالة . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 25 ) .

الهداية

من الهداية :

- بيان سنة الله تعالى في أن العبد إذا كره أحداً وأبغضه وتغالى في ذلك يصبح لا يسمع ما يقول له ، ولا يفهم معنى ما يسمع منه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة ، وختم بأن مضمون قوله{ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم }[ الأنعام : 5 ] - الآية ، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع ، {[29233]} قسم الموسومين{[29234]} بما كانت تلك{[29235]} الآية سبباً له ، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله{ إلاّ كانوا عنها معرضين }[ الأنعام : 4 ] ، فكان كأنه قيل : فمنهم من أعرض بكليته ، فعطف عليه قوله : { ومنهم من يستمع إليك } أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن .

لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه ، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا : لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه ، وتعاهدوا على أن لا يعودوا ، ثم عادوا تمام ثلاث ليال ، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال : سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها ، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها ، فقال : وأنا كذلك ، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسداً وعناداً ، وذلك هو المراد من قوله : { وجعلنا } أي والحال أنا قد جعلنا { على قلوبهم أكنة } أي أغطية ، جمع كنان أي غطاء { أن } أي كراهة أن { يفقهوه } أي القرآن { وفي آذانهم وقراً } أي ثقلاً يمنع من سمعه حق السمع ، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع ، فهم لا يؤمنون بما يسمع{[29236]} منك لذلك{[29237]} .

ولما ذكر ما يتعلق بالسمع ، ذكر ما يظهر للعين ، معبراً بما يعم السمع وغيره من أسباب العلم فقال : { وإن يروا } أي بالبصر أو البصيرة { كل آية } أي من آياتنا سواه { لا يؤمنوا بها } لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء والأجداد { حتى } كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم { إذا جاءوك يجادلونك } أي بالفعل أو بالقوة ، والغاية داخلة ، وكأنه{[29238]} قيل تعجباً : ماذا يقولون في جدالهم ؟ فقال مظهراً للوصف الذي أداهم إلى ذلك : { يقول الذين كفروا } أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع { إن } أي ما { هذا } أي الذي وصل إلينا { إلا أساطير } جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضاً جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور ، وبالهاء في الكل { الأولين } وقد قال ذلك النضر بن الحارث ،


[29233]:في ظ: فتم المؤمنين.
[29234]:في ظ: فتم المؤمنين.
[29235]:زيد من ظ.
[29236]:من ظ، وفثي الأل: سمع.
[29237]:من ظ، وفي الأصل: كذلك.
[29238]:في ظ: فكأنه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهون وفي ءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجدلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير الأولين } الأكنة جمع كنان وهو الغطاء الساتر . والأكنة ، الأغطية . ومنه أكننت الشيء في نفسي أي أخفيته وسترته . والكن بالكسر ، وقاء كل شيء وستره{[1139]} والله يبين حال المشركين الظالمين وما يتيهون فيه من الحماقة والعماية والسفه ، حتى لكأنهم بغير بصر ولا سمع ولا بصيرة . أو لكأنهم ركام مصفوف من التماثيل الجوامد التي لا تعي ولا تعقل . كذلك كان حال المشركين الجاحدين . بل ما فتئوا يكررون ديدنهم في الضلالة والجهالة لدى سماعهم تعاليم الإسلام . فما يدعوهم المسلمون إلى الخير ويبينون لهم طريق النجاة والسلامة ، ويحذرونهم من طريق الشر والشيطان ومخالفة أمر الله ويبصرونهم بخير منهاج وتشريع يصلح عليه حالهم في الدنيا والآخرة إلا أعرضوا وصدوا عن ذلك صدودا ولم يعبأوا بنداء الحق الظاهر الأبلج . فقال سبحانه : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا } أي جعلنا على قلوبهم ستارا جزاء لهم على كفرهم . فهم ما داموا غير منتفعين بما يسمعون ولاهم مستجيبون لنداء الحق فإنهم بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم البتة . أو بمنزلة البهيمة لا تسمع إلا صياحا ونداء وهي لا تعي مما يقال شيئا . ومن أجل ذلك جعل الله على قلوبهم الأكنة وهي الأغطية { أن يفقهوه } أي لئلا يفهموا القرآن ولا ما يقال لهم من الدلائل والحجج والذكر والمواعظ وكذلك قوله : { وفي ءاذانهم وقرا } الوقر معطوف على أكنة . والوقر معناه الثقل والصمم .

قوله : { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها } يبين الله أن هؤلاء الذين يعدلون الأوثان والأنداد بهم والذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لا تؤثر فيهم حجة ولا يحملهم برهان على توحيد الله والاستجابة لدعوة الإسلام . بل إنهم يهرعون مدبرين مستنكفين عن الحق فلا يؤمنون مهما يروا من الدلائل والبراهين .

قوله : { حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير الأولين } يعني إذا جاءك هؤلاء المشركون الظالمون السفهاء ليحاجوك وناظروك فيما جئتهم به من الحق قالوا : { إن هذا إلا أسطير الأولين } أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا مأخوذ من أساطير الأولين أي كتبهم وأحاديثهم . والأساطير جمع إسطارة وأسطورة مثل أضحوكة . وقيل : الأساطير بمعنى الخرافات والترهات .

وذلك هو ديدن المشركين المعاندين في كل زمان . فإنهم لا تؤزهم حجة ولا يستنفرهم برهان فينزعوا بذلك صوب الحق واليقين . ولكنهم يتثاقلون إلى الباطل والضلال فيأبوا إلا التمرد والعتو والاستكبار . ثم لا يألون بعد ذلك جهدا في محاربة الإسلام لصده وإيقافه كيلا يشيع أو ينتشر وذلك بمختلف الأساليب والوسائل من القهر والإذلال والتنكيل والتشريد والتشويه والتشكيك وافتراء الأباطيل .


[1139]:- القاموس المحيط ص 1584.