أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} (83)

شرح الكلمات :

{ تلك الدار الآخرة } : أي الجنة ، دار الأبرار .

{ لا يريدون علواً في الأرض } : أي بغياً ولا استطالة على الناس .

{ ولا فساداً } : أي ولا يريدون فساداً بعمل المعاصي .

{ والعاقبة } : أي المحمودة في الدنيا والآخرة .

{ للمتقين } : الذين يتقون مساخط الله فلا يعتقدون ولا يقولون ولا يعملون مالا يرضى به الله تعالى .

المعنى :

لقد تقدم في السياق أن ثواب الله وهو الجنة خير لمن آمن وعمل صالحاً فاشار إليه تعالى بقوله { تلك الدار الآخرة } التي هي الجنة إذ هي آخر دار يسكنها المتقون فلا يخرجون منها .

نجعلها ، هذا هو الخبر عن قوله تلك الدار الآخرة فأخبر تعالى أنه يجعلها مأوى ومسكناً للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، لا يريدون استطالة على الناس وتعالياً وتكبراً عليهم وبغياً ، ولا فساداً بارتكاب المعاصي كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ، وقوله تعالى : { والعاقبة للمتقين } أي والعاقبة المحمودة في الدارين لأهل الإِيمان والتقوى وهم المؤمنون الذين يتقون مساخط الله عز وجل ، وذلك بفعل المأمورات واجتناب المنهيات .

الهداية :

- حرمة التكبر والاستطالة على الناس ، والعمل بالمعاصي ، وأنه الفساد في الأرض .

- العاقبة الحسنى وهي الجنة لأهل الإِيمان والتقوى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} (83)

ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحاً ، وهو الذي أشار أهل العلم إلى أن له ثواب الله ، وكان ذلك للآخرة سبباً ومسبباً ، ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرّفة - ولا بد - بأن هذه الدار للزوال ، لا يغنى فيها رجال ولا مال ، وأن الآخرة للدوام ، وأمر فيها بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا ، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين ، فكان موضع استحضار الآخرة ، مع أنه قدم قريباً من ذكرها وذكر موافقتها ما ملأ به الأسماع ، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم ، معظمة عند كل ذي علم ، أشار إليها سبحانه لكلا الأمرين : الحضور والعظم ، فقال : { تلك } أي الأمر المنظور بكل عين ، الحاضر في كل قلب ، العظيم الشأن ، البعيد الصيت ، العلي المرتبة ، الذي سمعت أخباره ، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره { الدار الآخرة } أي التي دلائلها أكثر من أن تحصر ، وأوضح من أن تبين وتذكر ، من أعظمها تعبير كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علواً وفساداً { نجعلها } بعظمتنا { للذين } يعملون ضد عمله .

ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح ، قال : { لا يريدون } ولم يقل يتعاطون - مثلاً ، تعظيماً لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب ، إعلاماً بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريباً منه اقتحمته لا محالة { علواً } أي شيئاً من العلو { في الأرض } فإنه أعظم جارّ إلى الفساد ، وإذا أرادوا شيئاً من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر ، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم { ولا فساداً } بعمل ما يكره الله ، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون ، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم ، لا لحظ دنيوي ، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولاً ، ولا مال الله دولاً ، والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا .

ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى ، أخبر سبحانه أنه دائماً يجعل ظفرهم آخراً ، فقال معبراً بالاسمية دلالة على الثبات : { والعاقبة } أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة ، هكذا الأصل ، ولكنه أظهر تعميماً وإعلاماً بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى : { للمتقين* } أي دائماً في كلا الدارين ، لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة ، وهذه الآيةِ يُعْرَف أهل الآخرة من أهل الدنيا ، فمن كان زاهداً في الأولى مجتهداً في الصلاح ، وكان ممتحناً في أول أحواله مظفراً في مآله ، فهو من أبناء الآخرة ، وإلا فهو للدنيا .