أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

شرح الكلمات :

{ أن يفتنوك } : يضلوك عن الحق .

{ فإن تولوا } : أعرضوا عن قبول الحق الذي دعوتهم إليه وأردت حكمهم به .

المعنى :

أما الآية الثانية ( 49 ) فقد أمر الله تعالى فيها رسوله ونهاه وحذره وأعلمه وندد بأعدائه وأمره أن يحكم بين من يتحاكمون إليه بما أنزل عليه من القرآن فقال : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ونهاه أن يتبع أهواء اليهود فقال : { ولا تتبع أهواءهم } وحذره من أن يتبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه ولا يعمل به وعمل بما اقترحوه عليه فقال : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } وأعلمه أن اليهود إن تولوا أي أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة نتيجة ما قارفوا من الذنوب وما ارتكبوا من الخايا فقال : { فإن تولوا فاعلم أنَّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } . وندد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون أي عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى ورسله فقال : { وإن كثيراً من الناس لفاسقون } .

فسلاه بذلك وهون عليه ما قد يجده من ألم تمرد اليهود والمنافقين وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه . هذا ما دلت عليه الآية الثانية .

الهداية

من الهداية :

- أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسبباً عما قبله من إنزال الكتاب على الأحوال المذكورة ، أعاد الأمر به{[26368]} سبحانه مصرحاً بذلك لذاته لا لشيء آخر ، ليكون الأمر به{[26369]} مؤكداً غاية التأكيد بالأمر به مرتين : مرة لأن الله أمر به ، وأخرى لأنه على وفق الحكمة ، فقال تأكيداً له وتنويهاً بعظيم شأنه ومحذراً من الأعداء فيما يلقونه{[26370]} من الشبه للصد عنه : { وأن } أي احكم بينهم بذلك لما قلنا من السبب{[26371]} وما ذكرنا من العلة{[26372]} في جعلنا لكل ديناً ، ولأنا قلنا آمرين لك أن { احكم بينهم } أي أهل الكتب وغيرهم { بما أنزل الله } أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته ، وبين أن مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى ، لأن كتابهم داع إليه ، فقال : { ولا تتبع أهواءهم } أي في عدم التقييد{[26373]} به { واحذرهم أن يفتنوك } أي يخالطوك بكذبهم على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة تميلك { عن بعض ما أنزل الله } أي الذي لا أعظم منه ، فلا وجه أصلاً للعدول عن أمره { إليك فإن تولوا } أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين لما دعت إليه الطفرة الأولى من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم من اتباعك { فاعلم إنما يريد الله } أي الذي له جميع العظمة { أن يصيبهم } لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد العقل بما تدعو إليه الفطرة الأولى والنقل بما في كتبهم ، إما من الأمر بذلك الحكم بعينه ، وإما من الأمر باتباعك { ببعض ذنوبهم } أي التي هذا منها ، وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيراً لهم من جميع مساوي أعمالهم ، لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به ، فيحملهم ذلك على الرجوع عنه ، ويصير ذلك كالإلجاء ، أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد التعظيم ، فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي{[26374]} وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على مواقعتها .

ولما كان التقدير : فإنهم بالتولي فاسقون ، عطف عليه : { وإن كثيراً من الناس } أي هم وغيرهم { لفاسقون * } أي خارجون{[26375]} عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات ، متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة ؛


[26368]:سقط من ظ.
[26369]:سقط من ظ.
[26370]:من ظ، وفي الأصل: يتبعونه.
[26371]:في ظ: السبت.
[26372]:في ظ: في .
[26373]:في ظ: التقييد.
[26374]:من ظ، وفي الأصل: التوالي.
[26375]:في ظ: خارجين.