أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

شرح الكلمات :

{ لا تقربوا } : لا تدنوا كناية عن الدخول فيها ، أولا تدنوا من مساجدها .

{ سكارى } : جمع كسر أن وهو من شرب مسكراً فستر عقله وغطاه .

{ تعلموا ما تقولون } : لزوال السكر عنكم ببعد شربه عن وقت الصلاة وهذا كان قبل تحريم الخمر وسائر المسكرات .

{ ولا جنباً } : الجنب : من به جنابة وللجنابة سببان جماع ، أو احتلام .

{ عابري سبيل } : مارين بالمسجد مروراً بدون جلوس فيه .

{ الغائط } : المكان المنخفض للتغوط : أي التبرز فيه .

{ لامستم النساء } : جامعتموهن .

{ فتيمموا صعيداً طيباً } : اقصدوا تراباً طاهراً .

{ عفواً غفوراً } : عفواً : لا يؤاخذ على كل ذنب ، غفوراً : كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه .

المعنى الكريمة الكريمة :

لا شك أن لهذه الآية سبباً نزلت بمقتضاه وهو أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حسب رواية الترمذي أقام مأدبة لبعض الأصحاب فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة فقاموا لها وتقدم أحدهم يصلي بهم فقرأ بسورة الكافرون وكان ثملان فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، وهذا باطل وواصل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت { يا أيها الذين آمنوا . . . . . . . } أي يا من صدقتم بالله ورسوله ، { لا تقربوا الصلاة } أي لا تدخلوا فيها ، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالاً غير حرام ، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب حتى تغتسلوا اللهم من كان منكم عابر سبيل ، إذ كانت طرق بعضهم إلى منازلهم على المسجد النبوي . { و إن كنتم مرضى } بجراحات يضرها الماء أو جَاءَ أحد منكم من الغائط أولامستم النساء } بمضاجعتهن أو مسستموهن بقصد الشهوة { فلم تجدوا ماءً } تغتسلون به إن كنتم جنباً أو تتوضأون به إن كنتم محدثين حدثاً أصغر { فتيمموا صعيداً طيباً } أي اقصدوا تراباً طاهراً { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } مرة واحدة فإن ذلك مجزئ لكم عن الغسل والوضوء فإن صح المريض أو وُجد الماء فاغتسلوا أو توضأوا ولا تيمموا لانتفاء الرخصة بزوال المرض أو وجود الماء . وقوله تعالى في ختام الآية { إن الله كان عفواً غفورا } يخبر تعالى عن كماله المطلق فيصف نفسه بالعفو عن عباده المؤمنين إذا خالفوا أمره ، وبالمغفرة لذنوبهم إذا هم تابوا إليه ، ولذا هو عز وجل لم يؤاخذهم لما صلَّوا وهم سكارى لم يعرفوا ما يقولون ، وغفر لهم وأنزل هذا القرآن تعليماً لهم وهداية لهم .

الهداية الكريمة :

من الهداية الكريمة :

- تقرير مبدأ النسخ للأحكام الشرعية في القرآن والسنة .

- حرمة مكث الجنب في المسجد ، وجواز العبور والاجتياز بدون مكث .

- وجوب الغسل على الجنب وهو من قامت به جنابة بأن احتلم فرأى الماء أو جامع أهله فأولج ذكره في فرج امرأته ولو لم ينزل ماءً .

وكيفية الغسل : أن يغسل كفيه قائلاً : بسم الله ناوياً رفع الحدث الأكبر ثم يستنجي فيغسل فَرجَيْهِ وما حولهما ، ثم يتوطأ فيغسل كفيه ثلاثاً ، ثم يتمضمض ويستنشق الماء ، ويستثره ثلاثاً ، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثم يغمس كفيه في الماء ثم يخلل أصول شعر رأسه ، ثم يحثو الماء على رأسه يغسله بكل حثوة ، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن يَغْسِلُه ، ثم على شقه الأيسر يَغْسِله من أعلاه إلى أسفله ، ويتعهد بالماء إبطيه وكل مكان من جسمه ينبوا عنه الماء كالسرة وتحت الركبتين .

- إذا لم يجد المرء التراب لمطر ونحوه تيمم بكل أجزاء الأرض من رمل وسبخة وحجارة والتيمم هو أن يضرب بكفه الأرض ثم يمسح وجهه وكفيه بهما لحديث عمار رضي الله عنه في الصحيح .

- بيان عفو الله وغفرانه لعدم مؤاخذة من صلوا وهم سكارى .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

{ ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } سببها : أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها ، ثم قاموا إلى الصلاة وأمهم أحدهم فخلط في القراءة فمعناها النهي عن الصلاة في حال السكر قال بعض الناس : هي منسوخة بتحريم الخمر .

وذلك لا يلزم لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة الخمر وإنما هي نهي عن الصلاة في حال السكر وذلك الحكم الثابت في حين إباحة الخمر وفي حين تحريمها ، وقال بعضهم معناها : لا يكن منكم سكر يمنع قرب الصلاة ، إذ المرء مأمور بالصلاة فكأنها تقتضي النهي عن السكر وعن سببه وهو الشرب ، وهذا بعيد من مقتضى اللفظ .

{ حتى تعلموا ما تقولون } حتى تعود إليكم عقولكم فتعلمون ما تقرؤون ويظهر من هذا أن السكران لا يعلم ما يقول فأخذ بعض الناس من ذلك أن السكران لا يلزم طلاقه ولا إقراره .

{ ولا جنبا إلا عابري سبيل } عطف ولا جنبا على موضع وأنتم سكارى إذ هو في موضع الحال والجنب هنا غير الطاهر بإنزال أو إيلاج وهو واقع على جماعة بدليل استثناء الجمع منه واختلف في عابري سبيل فقيل : إنه المسافر ، ومعنى الآية على هذا : نهى أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا في السفر فيصلي بالتيمم دون اغتسال ، فمقتضى الآية . إباحة التيمم للجنب في السفر ، ويؤخذ إباحة التيمم للجنب في الحضر من الحديث ، وقيل : عابر السبيل المار في المسجد ، والصلاة هنا يراد بها المسجد ، لأنه موضع الصلاة فمعنى الآية على هذا النهي أن يقرب المسجد الجنب إلا خاطرا عليه وعلى هذا أخذ الشافعي بأنه يجوز للجنب أن يمر في المسجد ، ولا يجوز له أن يقعد فيه ، ومنع مالك المرور والقعود ، وأجازهما داود .

{ وإن كنتم مرضى أو على سفر } الآية : سببها عدم اصطحاب الماء في غزوة المريسيع فأبيح لهم التيمم لعدم الماء ثم إن عدم الماء على ثلاثة أوجه :

أحدها : عدمه في السفر .

والثاني : عدمه في المرض ، فيجوز التيمم في هذين الوجهين بإجماع ، لأن الآية نص في المرض والسفر إذا عدم الماء فيهما ، لقوله :{ وإن كنتم مرضى أو على سفر } ، ثم قال : فلم تجدوا ماء .

الوجه الثالث : عدم الماء في الحضر دون مرض ، فاختلف الفقهاء فيه . فمذهب أبو حنيفة أنه لا يجوز فيه التيمم ، لأن ظاهر الآية أن عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو السفر .

ومذهب مالك والشافعي أنه يجوز فيه التيمم فإن قلنا إن الآية لا تقتضيه فيؤخذ جوازه من السنة وإن قلنا إن الآية تقتضيه ، فيؤخذ جوازه منها ، وهذا هو الأرجح إن شاء الله ، وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض والسفر ، ثم ذكر الإحداث دون مرض ولا سفر ثم قال : بعد ذلك كله : { فلم تجدوا ماء } فيرجع قوله :{ فلم تجدوا ماء } إلى المرض وإلى السفر وإلى من أحدث في غير مرض ولا سفر . فيجوز التيمم على هذا لمن عدم الماء في غير مرض ولا سفر ، فيكون في الآية حجة لمالك والشافعي ، ويجوز التيمم أيضا في مذهب مالك للمريض إذا وجد الماء ولم يقدر على استعماله لضرر بدنه ، فإن قلنا إن الآية لا تقتضيه ، فيؤخذ جوازه من السنة وإن قلنا إن السنة تقتضيه ، فيؤخذ جوازه منها على أن يتناول قوله :{ إن كنتم مرضى } أن معناه مرضى لا تقدرون على مس الماء ، وحد المرض الذي يجوز فيه التيمم عند مالك ، هو أن يخاف الموت أو زيادة المرض أو تأخر البرء ، وعند الشافعي خوف الموت لا غير ، وحد السفر الغيبة عن الحضر كان مما تقصر فيه الصلاة أم لا .

{ أو جاء أحد منكم } في أو هنا تأويلان :

أحدهما : أن تكون للتفصيل والتنويع على بابها .

والآخر : أنها بمعنى الواو ، فعلى القول بأنها على بابها يكون قوله :{ فلم تجدوا ماء } راجعا إلى المريض والمسافر ، وإلى من جاء من الغائط ، وإلى من لامس ، سواء كانا مريضين أو مسافرين ، أم حسبما ذكرنا قبل هذا ، فيقتضي ذلك جواز التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء ، وهو مذهب مالك والشافعي ، فيكون في الآية حجة لهما ، وعلى القول بأنها بمعنى الواو يكون قوله :{ فلم تجدوا ماء } راجعا إلى المريض والمسافر ، فيقتضي ذلك أنه لا يجوز التيمم إلا في المرض والسفر مع عدم الماء ، وأنه لا يجوز للحاضر الصحيح إذا عدم الماء ، ولكن يؤخذ جواز التيمم له من موضع آخر ، والراجح أن تكون أو على بابها لوجهين :

أحدهما : أن جعلها بمعنى الواو إخراج لها عن أصلها وذلك ضعيف .

والآخر : إن كانت على بابها : كان فيها فائدة إباحة التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء على ما ظهر لنا فيها ، وإذا كانت بمعنى الواو لم تعط هذه الفائدة ، وحجة من جعلها بمعنى الواو أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالغائط لعطفه عليها ، وهذا لا يلزم ، لأن العطف بأو هنا للتنويع والتفصيل ومعنى الآية كأنه قال : يجوز لكم التيمم إذا لم تجدوا ماء إن كنتم مرضى أو على سفر وأحدثتم في غير مرض ولا سفر .

{ الغائط } أصله المكان المنخفض ، وهو هنا كناية عن الحدث الخارج من المخرجين ، وهو العذرة ، والريح ، والبول ، لأن من ذهب إلى الغائط يكون منه هذه الأحداث الثلاث ، وقيل : إنما هو كناية عن العذرة وأما البول والريح ، فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السنة ، وكذلك الودى والمذي .

{ أو لامستم النساء } اختلف في المراد بالملامسة هنا على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها الجماع وما دونه من التقبيل واللمس باليد وغيرها ، وهو قول مالك ، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دون الجماع على تفصيل في المذهب ، ويجب معه التيمم إذا عدم الماء ، ويكون الجنب من أهل التيمم . والقول الثاني : أنها ما دون الجماع ، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس . ولا يجوز التيمم للجنب وقد قال : بذلك عمر بن الخطاب : ويؤخذ جوازه من الحديث .

والثالث : أنها الجماع فعلى هذا يجوز التيمم للجنب ولا يكون ما دون الجماع ناقضا للوضوء وهو مذهب أبي حنيفة .

{ فلم تجدوا ماء } هذا يفيد وجوب طلب الماء وهو مذهب مالك خلافا لأبي حنيفة فإن وجده بثمن فاختلف هل يجوز له التيمم أم لا وإن وهب له فاختلف هل يلزم قبوله أم لا .

{ فتيمموا } التيمم في اللغة القصد وفي الفقه الطهارة بالتراب وهو منقول من المعنى اللغوي .

{ صعيدا طيبا } الصعيد عند مالك هو وجه الأرض كان ترابا أو رملا أو حجارة فأجاز التيمم بذلك كله وهو عند الشافعي التراب لا غير والطيب هنا الطاهر واختلف في التيمم بالمعادن كالذهب وبالملح وبالتراب المنقول كالمجعول في طبق ، بالآجر ، وبالجص المطبوخ ، وبالجدار ، وبالنبات الذي على وجه الأرض ، وذلك كله على الاختلاف في معنى الصعيد .

{ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } لا يكون التيمم إلا في هذين العضوين ، ويقدم الوجه على اليدين لظاهر الآية ، وذلك على الندب عند مالك ، ويستوعب الوجه بالمسح ، وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين أو إلى المرفقين ، ولفظ الآية محتمل ، لأنه لم يجد وقد احتج من قال : إلى المرفقين بأن هذا مطلق ، فيحمل على المقيد ، وهو تحديدها في الوضوء بالمرفقين .