التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

{ إنا لله } اللام للملك والمالك يفعل في ملكه ما يشاء .

{ راجعون } تذكروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدنيا ، وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أصابته مصيبة فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها أخلف الله له خيرا مما أصابه . قالت أم سلمة فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك فأبدلني الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

فائدة : ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، وذلك لعظمة موقعه في الدين ، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره ، لقوله تعالى :{ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }[ الزمر :10 ] .

وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة :

أولها : المحبة ، قال :{ والله يحب الصابرين }[ آل عمران :146 ] .

والثاني : النصر ، قال :{ إن الله مع الصابرين } .

والثالث : غرفات الجنة ، قال :{ يجزون الغرفة بما صبروا }[ الفرقان :75 ] . والرابع : الأجر الجزيل ، قال :{ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }[ الزمر :10 ] .

والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية ، ففيها البشارة ، قال :{ وبشر الصابرين } ، والصلاة ، والرحمة ، والهداية :{ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .

والصابرون على أربعة أوجه :

صبر على البلاء ، وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع .

وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر ، وعدم الطغيان ، وعدم التكبر بها . وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها .

وصبر عن المعاصي بكف النفس عنها .

وفوق الصبر التسليم وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا ، وترك الكراهة باطنا .

وفوق التسليم الرضا بالقضاء ، وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة ، وكل ما يفعل المحبوب محبوب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

وقوله : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) أولئك هم الصابرون الذين يبشرهم الله على لسان نبيه الكريم ، والذين يبادرون بكلمة الحق التي تعلن الولاء الكامل لله والإقرار المطلق بأنه سبحانه مالك كل شيء ؛ فهو مالك الناس والأموال والخيرات والثمرات ، وأنه ما من شيء إلا هو راجع إليه وذلك في يوم حافل معلوم . يوم تتلاقى فيه الأحياء جميعا لتجد جزاءها والحساب .

على أن الصبر على المحن إنما يكون معتبرا إذا كان عند صدمة الخبر الفادح ، فإذا ما ثبت المؤمن لدى ورود الصدمة واسترجع فذلكم الذي له البشرى بالرحمة والرضوان . وفي ذلك قد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( ص ) قال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " .

وشرط الصبر لتمامه وكمال شرفه ألا يجزع المبتلى عند صدمة الخبر الداهم ، وألا يبث للناس شكايته على سبيل الإياس والزعزعة والابتئاس ، ولكن ليكظم ألمه ويحبس نفسه عن البث والشكوى أو الأنين في ضعف وخور .

ولا تنحصر المصيبة في أنواع معلومة مما يصيب الإنسان فيؤزه ويؤلمه ، ولكنها تشمل كل صورة من صور الابتلاء مهما كان حجمها أو تأثيرها . وبذلك فإن المصيبة كما يراها الدين تتضمن كل وجه من وجوه الشر التي تصيب الإنسان فتؤذيه ، صغيرا كان الأذى أو كبيرا . فقد ذكر أن مصبح رسول الله ( ص ) قد انطفأ ذات ليلة فقال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال : " نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة " وأخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله ( ص ) يقول : " ما يصيب المؤمن من وصب{[165]} ولا نصب{[166]} ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته " {[167]} .


[165]:- الوَصَب : المرض أو الوجع. أنظر مختار الصحاح ص 724 والمصباح المنير جـ 2 ص 337.
[166]:- النَّصب: التعب. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 925.
[167]:- صحيح مسلم (4/1993) برقم 2573.