التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

{ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } براءة من علم الغيب ، واستدلال على عدم علمه .

{ وما مسني السوء } عطف على { لاستكثرت من الخير } أي : لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير ، واحترست من السوء ولكن لا أعلمه فيصبني ما قدر لي من الخير والشر وقيل : إن قوله : { وما مسني السوء } : استئناف إخبار ، و{ السوء } على هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن .

{ لقوم يؤمنون } يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معا أي : أبشر المؤمنين وأنذرهم ، وخص بهم البشارة والنذارة ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها ، ويكون المتعلق بنذير محذوف أي : نذير للكافرين ، والأول أحسن .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

ولما كان علم الغيب ملزوماً لجلب الخير ودفع الضير ، وكانت الساعة أدق علم الغيب ، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص ، وقدم النفع لأنه أهم إلى النفس ، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة يونس عليه السلام{[34279]} ، فقال آمراً بإظهار ذل العبودية : { قل لا أملك } أي في وقت من الأوقات أصلاً { لنفسي نفعاً } أي شيئاً من جلب النفع قليلاً ولا كثيراً { ولا ضراً } كذلك ، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل ، وكل من كان عبداً كان كذلك .

ولما كان من المعلوم بل المشاهد أن كل حيوان يضر وينفع ، أعلم أن ذلك إنما هو بالله فقال : { إلا ما شاء الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد سواه أن يقدرني{[34280]} عليه .

ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها{[34281]} من المغيبات جهل منهم ، لأن حاله واضح{[34282]} في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم الغيب ، دل عليه بقوله : { ولو كنت } أي من ذاتي { أعلم الغيب } أي جنسه { لا ستكثرت } أي أوجدت لنفسي كثيراً { من الخير } باستجلاب المنافع بنصب أسبابها .

ولما كان الضر لا يحتمل منه شيء قال : { وما مسني السوء } أي هذا الجنس بإقامة الموانع له عني لأن {[34283]}من لازم{[34284]} إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن شاء الله تعالى في سورة طه ، ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله ، ختم الآية ببيان رتبته ، فقال قالباً ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله{[34285]} : " {[34286]}يا بني{[34287]} عبد مناف ! اتقوا الله ، يا بني فلان يا بني فلان " وكذا ما لزم عن إلزامهم له بعلم الساعة من أنه يكون إلهاً{[34288]} : { إن أنا إلا } ولما كانت السورة للإنذار ، قدمه فقال : { نذير } أي مطلقاً للكافر ليرجع عن كفره ، والمؤمن ليثبت{[34289]} على إيمانه { وبشير لقوم يؤمنون* } أي خاصة ، أو الصفتان لهم خاصة بالنظر إلى النفع ، وأما ما لا نفع فيه فعدم .


[34279]:- راجع آية 49.
[34280]:- من ظ، وفي الأصل: يقدر.
[34281]:- من ظ، وفي الأصل: غيره.
[34282]:- من ظ، وفي الأصل: واضع.
[34283]:- في ظ: الملازم.
[34284]:- في ظ: الملازم.
[34285]:- في ظ: يقول.
[34286]:- في الأصل: يا يعني، وفي ظ: يا-كذا.
[34287]:- في الأصل: يا يعني، وفي ظ: يا-كذا.
[34288]:- زيد من ظ.
[34289]:- من ظ، وفي الأصل: فيثبت.