{ ومهيمنا عليه }رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، حيث يشهد لها بالصحة ، ويقرر أصول شرائعها ، وما شرع مؤبدا من فروعها ، وما نسخ منها ، من الهيمنة وهي الحفظ والارتقاب . يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه : قد هيمن عليه ، وهو مهيمن .
{ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا }الخطاب للأمم الثلاثة . والشرعة : الشريعة وهي الطريق الظاهر الموصل للماء . والمراد بها الدين . وسمي الدين شريعة تشبيها بشريعة الماء ، من حيث إن كلا سبب الحياة . والمنهاج : الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح . والعطف باعتبار جمع الأوصاف . وقيل : هما بمعنى واحد هو الطريق ، والتكرير للتأكيد . أي ولكل أمة من الأمم الحاضرة والغابرة وضعنا شرعة و منهاجا خاصين بها . فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتها ما في التوراة ، والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد عليهما الصلاة والسلام شرعتها ما في الإنجيل ، وأما هذه الأمة فشرعتها ما في القرآن فقط ، فآمنوا به واعملوا به ، وليس لأحد بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول إلا الإيمان به .
{ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة }أي ولو شاء الله أن يجعل الأمم جميعا تدين بدين واحدة وملة واحدة في جميع الأعصار لفعل ، ولكنه تعالى حكيم خبير يعلم ما للأمم والعصور من خصائص و طبائع ، وما يناسب كل أمة من أحكام وشرائع يستقيم بها أمرها وتقتضيه مصلحتها ، فانزل شرائع شتى ، تتفق جميعها في الأصول ، ويختلف بعض أحكامها في الفروع باختلاف الأمم والعصور ، ومن الطبيعي أن ينسخ بعضها بعضا في بعض الأحكام . واقتضت حكمته تعالى أن يختم شرائعه بشريعة عامة كاملة في العلم ، وبعث به خاتم رسله وأفضل خلقه ، وأمره ببيانه للناس ، فمنهم من أدرك هذه الحكمة ، فعرف ربه حق المعرفة ، وأمن به وبكتبه ورسله وعمل بأحكامه . ومنهم من جهلها فجمدت قريحته وفسدت سريرته ، وآمن ببعض وكفر ببعض ، فكان لله عاصيا ، ولحكمته جاحدا ، ولرسله مكذبا ، وعن كتبه معرضا ، وبغضب الله حقيقا ، ولنقمته أهلا .
قوله تعالى : " وأنزلنا إليك الكتاب " الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم " الكتاب " القرآن " بالحق " أي هو{[5679]} بالأمر الحق " مصدقا " حال . " لما بين يديه من الكتاب " أي من جنس الكتب . " ومهيمنا عليه " أي عاليا عليه ومرتفعا . وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب ، على ما تقدمت إليه الإشارة في " الفاتحة " {[5680]} وهو اختيار ابن الحصار في كتاب شرح السنة له . وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى{[5681]} والحمد لله . وقال قتادة : المهيمن معناه المشاهد . وقيل : الحافظ . وقال الحسن : المصدق ، ومنه قول الشاعر :
إن الكتاب مهيمن لنبينا *** والحق يعرفه ذوو الألباب
وقال ابن عباس : " ومهيمنا عليه " أي مؤتمنا عليه . قال سعيد بن جبير : القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب ، وعن ابن عباس والحسن أيضا : المهيمن الأمين . قال المبرد : أصله مؤتمن أبدل من الهمزة هاء ، كما قيل في أرقت الماء هرقت ، وقاله الزجاج أيضا وأبو علي . وقد صرف فقيل : هيمن يهيمن هيمنة ، وهو مهيمن بمعنى كان أمينا . الجوهري : هو من آمن غيره من الخوف ، وأصله أأمن فهو مؤامن بهمزتين ، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤتمن ، ثم صيرت الأولى هاء كما قالوا : هراق الماء وأراقه ، يقال منه : هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظا ، فهو مهيمن ، عن أبى عبيد . وقرأ مجاهد وابن محيصن : " ومهينا عليه " بفتح الميم . قال مجاهد : أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن .
قوله تعالى : " فاحكم بينهم بما أنزل الله " يوجب الحكم ، فقيل : هذا نسخ للتخيير في قوله : " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " وقيل : ليس هذا وجوبا ، والمعنى : فاحكم بينهم إن شئت ؛ إذ لا يجب عليا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذمة . وفي أهل الذمة تردد وقد مضى الكلام فيه . وقيل : أراد فاحكم بين الخلق ؛ فهذا كان واجبا عليه .
قوله تعالى : { ولا تتبع أهواءهم } فيه مسألتان{[5682]} "
الأولى : قوله تعالى : " ولا تتبع أهواءهم " يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق ، يعني لا تترك الحكم بما بين الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام . والأهواء جمع هوى ، ولا يجمع أهوية ، وقد تقدم في " البقرة " {[5683]} . فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه ، وهو يدل على بطلان قول من قال : تقوم الخمر على من أتلفها عليهم ؛ لأنها ليست مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها ؛ لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود ؛ وقد أمرنا بخلاف ذلك . ومعنى " عما جاءك " على ما جاءك . " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين . والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة . والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء . والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين ، وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن . والشارع الطريق الأعظم . والشرعة أيضا الوتر ، والجمع شرع وشرع وشراع جمع الجمع ؛ عن أبي عبيد ؛ فهو مشترك . والمنهاج الطريق المستمر ، وهو النهج والمنهج ، أي البين ؛ قال الراجز :
من يك ذا شَكٍّ فهذا فَلْجُ *** ماءٌ رَوَاءٌ{[5684]} وطريق نَهْجُ
وقال أبو العباس محمد بن يزيد : الشريعة ابتداء الطريق . المنهاج الطريق المستمر . وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما " شرعة ومنهاجا " سنة وسبيلا . ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها ، والإنجيل لأهله ، والقرآن لأهله ، وهذا في الشرائع والعبادات ، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه ، روي معنى ذلك عن قتادة . وقال مجاهد : الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام ، وقد نسخ به كل ما سواه .
قوله تعالى : " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق ، فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم . " ولكن ليبلوكم في ما آتاكم " في الكلام حذف تتعلق به لام كي ؛ أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم ، والابتلاء الاختبار .
قوله تعالى : " فاستبقوا الخيرات " أي سارعوا إلى الطاعات ، وهذا يدل على أن تقديمه الواجبات أفضل من تأخيرها ، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أول الوقت ، فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها ، وعموم الآية دليل عليه . قاله الكيا{[5685]} . وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر ، وقد تقدم جميع هذا في " البقرة " {[5686]} " إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " أي بما اختلفتم فيه ، وتزول الشكوك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.