صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

{ سيقولون ثلاثة . . . } سيختلف الناس في عدة أصحاب الكهف فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أقوال لا غير . فدل على أنه لا قائل برابع ، وأتبع القولين الأولين – وهما لغير المؤمنين – بقوله : { رجما بالغيب } أي قولا بلا علم ولا إطلاع ، فدل على بعدها عن الصواب . وحكى الثالث – وهو للمؤمنين – وأعقبه بقوله : { وثامنهم كلبهم } فدل على أنه الواقع في نفس الأمر ، وإنما استفيد منه التقرير ، لأن الكلام قد تم عند قوله : { ويقولون سبعة } ثم عطف عليه قوله : { وثامنهم كلبهم } والثامن لا يكون ثامنا إلا بعد سابع ، فكأنه قيل : هم سبعة وثامنهم كلبهم . { رجما بالغيب } أي يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم ، الذي لا مطلع لهم عليه ويأتون به . والرجم في الأصل : الرمى بالرجم ، وهو الحجارة الصغيرة ، استعير للتكلم بما لا علم به ، ولا إطلاع عليه بخفاءه ، تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب المرمى . { قل ربي أعلم بعدتهم } أي أقوى وأقدم في العلم بها . وفيه إرشاد إلى أن الأفضل في مثل هذا رد العمل إليه تعالى ، وعدم الخوض فيهن فإذا أطلعنا الله على أمره قلنا به ، وإلا وقفنا . وثبوت الأعلمية له تعالى لا ينافي علم قليل من الناس به ، وهو قوله تعالى : { ما يعلمهم إلا قليل } أي ما يعلم عدتهم إلا قليل من الناس ، والأكثرون لا يعلمونها . { فلا تمار فيهم } أي فلا تجادل في شأن أصحاب الكهف أحدا من الخائضين فيه { إلا مراء ظاهرا } واضحا بذكر ما قصصنا عليك من شأنهم ولا تزد عليه . يقال : ماراه مراء ، جادله . { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } فإن فيما أوحينا إليك لمندوحة عن غيره .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

{ 22 } { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا }

يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف ، اختلافا صادرا عن رجمهم بالغيب ، وتقولهم بما لا يعلمون ، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال :

منهم : من يقول : ثلاثة ، رابعهم كلبهم ، ومنهم من يقول : خمسة ، سادسهم كلبهم . وهذان القولان ، ذكر الله بعدهما ، أن هذا رجم منهم بالغيب ، فدل على بطلانهما .

ومنهم من يقول : سبعة ، وثامنهم كلبهم ، وهذا -والله أعلم- الصواب ، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله ، فدل على صحته ، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته ، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس ، دينية ولا دنيوية ، ولهذا قال تعالى :

{ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ } وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم . { فَلَا تُمَارِ } أي : تجادل وتحاج { فيهم إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } أي : مبنيا على العلم واليقين ، ويكون أيضا فيه فائدة ، وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب ، أو التي لا فائدة فيها ، إما أن يكون الخصم معاندا ، أو تكون المسألة لا أهمية فيها ، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها ، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك ، فإن في كثرة المناقشات فيها ، والبحوث المتسلسلة ، تضييعا للزمان ، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة .

{ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ } أي : في شأن أهل الكهف { مِنْهُمْ } أي : من أهل الكتاب { أَحَدًا } وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن ، الذي لا يغني من الحق شيئا ، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى ، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه ، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به ، وليس عنده ورع يحجزه ، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس ، فنهيه هو عن الفتوى ، من باب أولى وأحرى .

وفي الآية أيضا ، دليل على أن الشخص ، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء ، دون آخر . فيستفتى فيما هو أهل له ، بخلاف غيره ، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا ، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف ، وما أشبهها .