الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (123)

قال تعالى{[57673]} : { وإن إلياس لمن المرسلين } .

قال ابن إسحاق : وهو إلياس{[57674]} بن{[57675]} ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران{[57676]} . وكان إلياس من سبط{[57677]} يوشع بن نون بعثه الله تعالى{[57678]} إلى أهل بعلبك{[57679]} وكانوا يعبدون صنما{[57680]} يقال له بعل .

وقيل : هو إدريس : قاله قتادة{[57681]} .

والمعنى : إنه{[57682]} لمن الذين أرسلهم الله{[57683]} إلى الخلق ، فقال لقومه : ألا تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم ربا غيره و{[57684]} هو قوله : { أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين } .

والبعل : الرب لغة أهلل اليمن مشهورة قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي{[57685]} .

وروي ذلك عن ابن عباس{[57686]} وقال الضحاك : هو صنم لهم يسمى بعلا{[57687]} .

وقال ابن زيد : هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق{[57688]} .

وقيل : إن بعلا تيس كانوا يعبدون .

وقال ابن إسحاق : بلغني أن بعلا امرأة كانوا يعبدونهان دون الله جل ذكره{[57689]} .

قال وهب بن منبه : بعث الله{[57690]} إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله{[57691]} إليهم حتى نصبوا{[57692]} الأوثان وعبدوها من دون /الله{[57693]} فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل وجعلوا لا يسمعون منه شيئا . وكان له ملك{[57694]} من ملوك بني إسرائيل يطيعونه يقال له : جاب وكان إلياس يقرب من الملك ، وكان الملك يطيع إلياس فيما{[57695]} يقول له ويراه الناس على هدى وكانت ملوك بني إسرائيل قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها{[57696]} ويعبدون الأصنام فقال الملك يوما لإلياس : والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا ، والله ما أرى فلانا{[57697]} وفلانا يذكر ملوكا من ملوك بني إسرائيل إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله{[57698]} وهم على{[57699]} نحو ما نحن عليه من النعيم{[57700]} يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين ، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل ، فعظم الأمر على إلياس ، واقشعر جلده وخرج عنه ، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان ، فقال إلياس : اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة .

أو كما قال{[57701]} .

قال{[57702]} ابن إسحاق : فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك . فقال إلياس : اللهم أمسك عنهم القطر ، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والشجر ، وجهد الناس جهدا شديدا وكان إلياس حين دعا عليهم قد استخفى{[57703]} شفقا على نفسه منهم . وكان{[57704]} حيث ما كان وضع له رزق وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا : قد دخل إلياس هذا المكان{[57705]} فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شرا .

ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له : اليسع ابن أخطوب به ضر ، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس . فآمن به وصدقه ولزمه ، وكان يذهب معه حيث ما ذهب وكان إلياس قد أسن وكبر ، وكان اليسع غلاما شابا ، فذكر أن الله جل ذكره أوحى إلى إلياس : إنك قد أهلكت خلقا كثيرا بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر . فذكر والله أعلم أن إلياس قال : أي رب دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به ، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك ، فقيل له : نعم ، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل ، فقال لهم : إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل وغرور ، أو كما قال لهم ، فإن كنتم تحبون علم{[57706]} ذلك وتعلمون أن الله{[57707]} عليكم ساخط فيما أنتم عليه ، والذي أدعو لكم إليه الحق ، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تعبدونها{[57708]} وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه ، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون فإن{[57709]} هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم{[57710]} ودعوت الله{[57711]} يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء ، قالوا : أنصفت ، بأوثانهم وما يتقربون إلى الله{[57712]} من أحداثهم ، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ، فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل ، فقالوا لإلياس : يا إلياس إنا قد هلكنا ، فادع{[57713]} الله لنا ، فدعا{[57714]} إلياس لهم بالفرج مما هم فيه ، وأن يسقوا ، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله{[57715]} ، على ظهر البحر وهم ينظرون ، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أدحيت{[57716]} ، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم فحييت بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ، فلم يرجعوا ولا نزعوا ، وأقاموا على ما كانوا عليه ، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم ، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم ، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه : أخرج{[57717]} إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه ، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه ، فوثب عليه فانطلق به فناداه{[57718]} اليسع يا إلياس يا إلياس{[57719]} ما تأمرني به ؟ ما تأمرني به ؟ فكان آخر عهدهم به فكساه الله{[57720]} الريش ، / وألبسه النور ، / وقطع{[57721]} عنه لذة المطعم والمشرب وكان في الملائكة إنسيا ملكيا أرضيا سماويا{[57722]} .

قال أبو محمد{[57723]} رضي الله عنهم : وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال : إنه إدريس صلى الله عليه وسلم{[57724]} لقوله تعالى ذكره في إدريس : { ورفعناه مكانا عليا{[57725]} } .


[57673]:ساقط من ب
[57674]:مثبت في طرة أ
[57675]:ساقط من ب
[57676]:انظر: قصص الأنبياء للثعلبي 252 والبحر المحيط 7/373
[57677]:السبط واحد الأسباط، وهو ولد الولد... وقيل السبط من اليهود كالقبيلة من العرب وهم الذين يرجعون إلى أب واحد. انظر: مادة سبط 7/310
[57678]:ب: "الله عز وجل"
[57679]:بعلبك مدينة قديمة بالشام فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة. قيل بينها وبين دمشق اثنا عشر فرسخا فتحت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه انظر: معجم البلدان 1/453 والروض المعطار 109
[57680]:تكرر مرتين في ب
[57681]:انظر: جامع البيان 23/91 والمحرر الوجيز 13/243 والبحر المحيط 7/272 وتفسير ابن كثير 4/20 والدر المنثور 7/117
[57682]:ساقط من ب
[57683]:ب: "الله عز وجل"
[57684]:ساقط من ب
[57685]:انظر: جامع البيان 23/92 والمحرر الوجيز 13/254 والجامع للقرطبي 15/117، وتفسير ابن كثير 4/21 والدر المنثور 7/119 وتفسير مجاهد 570
[57686]:انظر: تفسير ابن كثير 4/21 والدر المنثور 7/119
[57687]:انظر: جامع البيان 23/92 والمحرر الوجيز 13/254 وتفسير ابن كثير 4/21
[57688]:المصادر السابقة
[57689]:انظر: جامع البيان 23/92 وتاريخ الأمم والملوك 1/2ث39 وقصص الأنبياء للثعلبي 253 والمحرر الوجيز 13/254 والجامع للقرطبي 15/117 وتفسير ابن كثير 4/21
[57690]:ب: "الله عز وجل"
[57691]:المصدر السابق
[57692]:متآكل في أ
[57693]:ب: "الله سبحانه"
[57694]:متآكل في أ
[57695]:المصدر السابق
[57696]:ب: "يأكلوها"
[57697]:متآكل في أ
[57698]:ب: "الله عز وجل"
[57699]:مثبت في طرة ب
[57700]:متآكل في أ
[57701]:انظر: جامع البيان 23/93
[57702]:ساقط من ب
[57703]:أ: "استخفا"
[57704]:ب: "فكان"
[57705]:ب: "في هذا المكان"
[57706]:مثبت في طرة ب
[57707]:ب: "الله تعالى"
[57708]:ب: "تعبدون"
[57709]:ب: "وإن"
[57710]:نزعتم بمعنى انتهيتم جاء في الصحاح مادة نزع 3/1289 "نزع عن الأمر نزوعا انتهى عنه"
[57711]:ب: "الله عز وجل"
[57712]:المصدر السابق
[57713]:ب: "فادعوا"
[57714]:ب: "فدعى"
[57715]:ب: "الله عز وجل"
[57716]:أدحيت بمعنى بسطت جاء في اللسان مادة "دحو" 14/251: "الدحو: البسط دحا الأرض يدحوها دحوا: بسطها... ودحيت الشيء أدحاه دحيا: بسطته لغة في دحوته حكاها اللحياني"
[57717]:ب: "أن أخرج"
[57718]:متآكل في ب
[57719]:ساقط من ب
[57720]:ب: "الله عز وجل"
[57721]:متآكل في أ
[57722]:انظر: جامع البيان 23/93ـ94 وتاريخ الأمم والملوك 1/239ـ 240 وقصص الأنبياء للثعلبي 258ـ 259
[57723]:هو مكي نفسه المؤلف
[57724]:ب: "عليه السلام"
[57725]:مريم: آية 57