الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ} (64)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فكذبوه} في العذاب أنه ليس بنازل بنا، يقول الله: {فأنجيناه}، يعني نوحا، {والذين معه} من المؤمنين، {في الفلك}، يعني السفينة من الغرق برحمة منا، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا}، يعني نزول العذاب، {إنهم كانوا قوما عمين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فكذّب نوحا قومُه، إذ أخبرهم أنه لله رسول إليهم يأمرهم بخلع الأنداد والإقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم ولجوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به.

وكان حمل معه في الفُلك من كلّ زوجين اثنين، كما قال تبارك وتعالى "وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَلِيلٌ". والفُلك: هو السفينة. "وأغْرَقْنا الّذِينَ كَذّبُوا بآياتِنا "يقول: وأغرق الله الذين كذّبوا بحججه ولم يتبعوا رسله ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان. "إنّهُمْ كانُوا قَوْما عَمِينَ" يقول: عمين عن الحقّ.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

هذا إخبار من الله تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف ولا الوعظ والزجر، وأنهم كذبوه يعني نوحا. ومعناه أنهم نسبوا خبره إلى الكذب، لأن التكذيب: نسبة الخبر إلى الكذب، والتصديق: نسبة الخبر إلى الصدق،

وقوله "فأنجيناه "إخبار من الله تعالى أنه أنجى نوحا، والإنجاء هو: التخليص من الهلكة، والإهلاك: الايقاع فيها، وهي المضرة الفادحة. "ومن معه" يعني وأنجى من معه من المؤمنين به "في الفلك" وهي السفن، وأصله الدور، ومنه الفلكة والفلك من هذا، لأنه يدور على الماء كيف أداره صاحبه. وقوله "وأغرقنا الذين كذبوا" والاغراق هو: الغوص المتلف في الماء،. وقوله "إنهم كانوا قوما عمين" فيه بيان أنه إنما أغرقهم وأهلكهم لأنهم كانوا عمين. والعمى: الضلال عن طريق الهدى، فهم كالعمي في أنهم لا يبصرون طريق الرشد.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

وقوله {إنهم كانوا قوما عمين} عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى وقدرته...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

...والفرق بين العمِي والعاميّ: أن العمي يدلّ على عمى ثابت، والعاميّ على حادث...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا [وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ] وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51، 52] وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة، أن العاقبة للمتقين والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح [عليه السلام] بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وقع التّكذيب من جميع قومه: من قادتهم، ودهمائهم، عدا بعضَ أهل بيته ومن آمَن به عقب سماع قول نوح، فعُطف على كلامه بالفاء أي صدر منهم قول يقتضي تكذيب دعوى أنّه رسول من ربّ العالمين يبلِّغ وينصَح ويعلَم ما لا يعلمون، فصار تكذيباً أعم من التّكذيب الأوّل، فهو بالنّسبة للملأ يَؤول إلى معنى الاستمرار على التّكذيب، وبالنّسبة للعامة تكذيب أنُف، بعد سماع قول قَادتهم وانتهاء المجادلة بينهم وبين نوح...

وقدم الإخبار بالإنجاء على الإخبار بالإغراق، مع أنّ مقتضى مقام العبرة تقديم الإخبار بإغراق المنكرين، فقدم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرة السّامعين من المؤمنين بأنّ عادة الله إذا أهلك المشركين أن ينجي الرّسول والمؤمنين، فذلك التّقديم يفيد التّعريض بالنّذارة، وإلاّ فإنّ الإغراق وقع قبل الإنجاء، إذ لا يظهر تحقّق إنجاء نوح ومن معه إلاّ بعد حصول العذاب لمن لم يؤمنوا به، فالمعقّب به التّكذيب ابتداءً هو الإغراق، والإنجاء واقع بعده،...والإتيان بالموصول في قوله: {وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا} دون أن يقال: وأغرقنا سائرهم، أو بقيتهم، لما تؤذن به الصّلة من وجه تعليل الخبر في قوله: {وأغرقنا} أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم...

{عَمِين} يطلق مجازاً على فقدان الرأي النّافع،...

وقد دلّت هذه القصّة على معنى عظيم في إرادة الله تعالى تطوّرَ الخلق الإنساني: فإنّ الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق له الحسّ الظاهر والحِسّ الباطن، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسيَّة في إدراك أوائل العلوم، ولكنّه استعمل بعض ذلك فيما جلَب إليه الضرّ والضّلال، وذلك باستعمال القواعد الحِسّية فيما غاب عن حسِّه وإعانتها بالقوى الوهميّة والمخيَّلة، ففكّر في خالقه وصفاته فتوهّم له أنداداً وأعواناً وعشيرة وأبناء وشركاءَ في مُلكه، وتفاقم ذلك في الإنسان مع مرور الأزمان حتّى عاد عليه بنسيان خالقه، إذ لم يَدخل العلمُ به تحت حواسه الظّاهرة، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتّخذ لها صُوراً محسوسة، فأراد الله إصلاح البشر وتهذيبَ إدراكهم، فأرسل إليهم نوحاً فآمن به قليل من قومه وكفر به جمهورهم، فأراد الله انتخاب الصّالحين من البشر الذين قبلت عقولهم الهدى، وهم نوح ومن آمن به، واستئصال الذين تمكّنت الضّلالة من عقولهم ليُنشئ من الصّالحين ذرّية صالحة ويَكْفِيَ الإنسانيّة فساد الضّالين، كما قال نوح: {إنَّك إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلوا عبادَك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفَّارا} [نوح: 27]، فكانت بعثة نوح وما طرأ عليها تجديداً لصلاح البشر وانتخاباً للأصْلَح...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ولكن بدل أن يقبلوا بدعوة مثل هذا القائد المخلص الواعي كذبه الجميع، فأرسل الله عليهم طوفاناً فغرق المكذبون ونجا في السفينة نوح ومن آمن (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا).

وفي خاتمة الآية بين دليل هذه العقوبة الصعبة، وأنّه عمى القلب الذي منعهم عن رؤية الحق، وأتباعه (إنّهم كانوا قوماً عمين 28).

وهذا العمى القلبي كان نتيجة أعمالهم السيئة وعنادهم المستمر، لأنّ التجربة أثبتت أنّ الإنسان إذا بقي في الظلام مدة طويلة، أو أغمض عينيه لسبب من الأسباب وامتنع عن النظر مدة من الزمن، فإنّه سيفقد قدرته على الرؤية تدريجاً وسيصاب بالعمى في النهاية.

وهكذا سائر أعضاء البدن إذا تركت الفعالية والعمل مدّة من الزمن يبست وتعطلت عن العمل نهائياً.

وبصيرة الإنسان هي الأُخرى غير مستثناة عن هذا القانون، فالتغاضي المستمر عن الحقائق، وعدم استخدام العقل والتفكير في فهم الحقائق والواقعيات بصورة مستمرة، يضعف بصيرة الإنسان تدريجاً إلى أن تعمى عين القلب والعقل في النهاية تماماً.

هذه لمحة عن قصة نوح، وأمّا بقية هذه القصّة وكيفية وقوع الطوفان وتفاصيلها الأُخرى، فسوف نشير إليها في السور التي أشرنا إليها في مطلع هذا البحث.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ} (64)

ولما نسبوه أولاً إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه ، فأقام لهم الدليل على{[32478]} أنه على الصواب ، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما لوحوا إليه أولاً بالضلال من التكذيب فقال : { فكذبوه } أي الملأ وتبعهم من دونهم ؛ ولما تسبب{[32479]} عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه{[32480]} ومن آمن به ، قال مقدماً لإنجائه اهتماماً به : { فأنجيناه } بما لنا من العظمة من أهل الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به{[32481]} : { والذين معه } أي بصحبة الأعمال الدينية { في الفلك } وهو السفينة التي منّ الله على الناس بتعليمه عملها{[32482]} لتقيه من الطوفان فكانت{[32483]} آية ومنفعة عظيمة لمن أتى بعدهم { وأغرقنا } أي بالطوفان ، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها موضعاً حتى أحاط به ، وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للفعل بالوصف إشارة إلى أن من فعل مع الرسول شيئاً فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه فقال : { الذين كذبوا بآياتنا } أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما لها من العظمة بالنسبة إلينا ، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة{[32484]} وهي الأصل في التعدية ، وقرنت ب { الذين } لأنه أخلص الموصولات وأصرحها .

ولما أعيدت القصة في سورة يونس عليه السلام ، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة ، فعدي التضعيف مع ما فيه من الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم{[32485]} من مزيد التفويض في قوله{ فأجمعوا أمركم وشركاءكم }{[32486]} ، وتلا ب { من } ضماً للفرع إلى الفرع فإن { من } مشترك بين الوصل والشرط ، وهي أيضاً قد تطلق على ما لا يعقل ، فناسب ذلك الحال ، وزيد هناك في وصف الناجين{ وجعلناهم خلائف }{[32487]} نظراً إلى قوله تعالى في{[32488]} أول السورة{ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا }{[32489]} ، ثم{[32490]} قال :{ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم{[32491]} لننظر كيف تعملون }[ يونس : 14 ] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا ، ثم أشار لهم - في قصة نوح عليه السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - إلى أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين .

ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلاً ، وهو ناشىء عن عمى البصيرة أو البصر ، ناسب أن يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكداً لإنكارهم ذلك { إنهم كانوا } أي لما في جبلتهم من العوج { قوماً عمين* } أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولونه ، ثابت لهم ذلك ، بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل ، وختمت القصة في يونس بقوله فانظر كيف كان عاقبة المنذرين }{[32492]} لقوله أولها{ إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري }{[32493]} أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر{[32494]} عليهم ولو كان تبشيراً{[32495]} لما عز عليهم .


[32478]:- سقط من ظ.
[32479]:- من ظ، وفي الأصل: سبب.
[32480]:-زيد بعده في الأصل: بهم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32481]:- من ظ، وفي الأصل: فيه.
[32482]:- في ظ: علمه-كذا.
[32483]:- من ظ، وفي الأصل: وكانت.
[32484]:- في ظ: بالهمز.
[32485]:- زيد من ظ.
[32486]:- آية 71.
[32487]:- زيد بعده في الأصل: الأرض، ولم تكن الزيادة في ظ ولا في القرآن الكريم سورة 10 آية 73 فحذفناها.
[32488]:-زيد من ظ.
[32489]:- آية 13.
[32490]:- من ظ والقرآن الكريم آية 14، وفي الأصل "و".
[32491]:- من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: بعدكم.
[32492]:- آية 73.
[32493]:- آية 71.
[32494]:- من ظ، وفي الأصل: أكبر.
[32495]:- من ظ، وفي الأصل: بشيرا.