تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وكذلك مكنا ليوسف}، يعني وهكذا مكنا ليوسف الملك {في الأرض}، في أرض مصر، ل {يتبوأ}، يقول: ينزل {منها حيث يشاء نصيب برحمتنا}، يعني سعتنا {من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين}، يعني: نوفيه جزاءه، فجزاه الله بالصبر على البلاء، والصبر على المعصية بأن ملكه على مصر.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض، يعني أرض مصر. {يَتَبَوّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} يقول: يتخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء بعد الحبس والضيق. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ} من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنّا له في الأرض بعد العبودة والإسار وبعد الإلقاء في الجبّ. {وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ} يقول: ولا نُبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه وعمل بما أمره وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله... عن السديّ: {وكذلكَ مَكّنا ليُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمرها، وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله، فذلك قوله: {وكذلكَ مَكنّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوّأُ مِنْها حَيْثُ يشاءُ}...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} يقول، والله أعلم: كما برأنا يوسف مما قرف به وأظهرنا براءته منه، مكنا له في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه. أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه مما قصده به إخوته من الهلاك، مكنا له في الأرض..
{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} يحتمل قوله: {برحمتنا} سعة الدنيا ونعيمها كقوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} [فاطر]...
واعلم أن قوله: {يتبوأ منها حيث يشاء} يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلا بكل ما شاء وأراد...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
و لما سأل ما تقدم، قال معلماً بأنه أجيب بتسخير الله له: {وكذلك} أي و مثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس، ومثل ما سأل من التمكين {مكنا} أي بما لنا من العظمة {ليوسف في الأرض} أي مطلقاً لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها {يتبوأ} أي يتخذ منزلاً يرجع إليه، من باء -إذا رجع، {منها حيث يشاء} بإنجاح جميع مقاصده، لدخولها كلها تحت سلطانه. لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر، فكأنه قيل: لم كان هذا؟ فقال: لأمرين: أحدهما أن لنا الأمر كله {نصيب} على وجه الاختصاص {برحمتنا} بما لنا من العظمة {من نشاء} من مستحق فيما ترون وغيره، لا نسأل عما نفعل، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا، والثاني أنه محسن يعبد الله فانياً عن جميع الأغيار {و} نحن {لا نضيع} بوجه {أجر المحسنين} أي العريقين في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك؛ ...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... إن السياق لا يثبت أن الملك وافق. فكأنما يقول: إن الطلب تضمن الموافقة! زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك. فيكفي أن يقول ليجاب، بل ليكون قوله هو الجواب.. ومن ثم يحذف رد الملك، ويدع القارئ يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه. ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء. ولا نضيع أجر المحسنين.. ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون).. فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف، ومن إعجاب الملك به، ومن الاستجابة له فيما طلب.. على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض، وثبتنا قدميه، وجعلنا له فيها مكانا ملحوظا. والأرض هي مصر. أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها. (يتبوأ منها حيث يشاء).. يتخذ منها المنزل الذي يريد، والمكان الذي يريد، والمكانة التي يريد. في مقابل الجب وما فيه من مخاوف، والسجن وما فيه من قيود. (نصيب برحمتنا من نشاء).. فنبدله من العسر يسرا، ومن الضيق فرجا، ومن الخوف أمنا، ومن القيد حرية، ومن الهوان على الناس عزا ومقاما عليا. (ولا نضيع أجر المحسنين).. الذين يحسنون الإيمان بالله، والتوكل عليه، والاتجاه إليه، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس.. هذا في الدنيا...
وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض، بحيث أدار شؤون مصر بصورة حازمة؛ عادلة؛ فلما جاء الجدب؛ لم يأتها وحدها؛ بل عم البلاد التي حولها. بدليل أن هناك أناسا من بلاد أخرى لجأوا يطلبون رزقهم منها؛ والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاما لهم ولمن ينتظرهم في بلادهم، فهذا دليل على أن رقعة الشدة كانت شاسعة. وقول الحق سبحانه: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء}... يعني: شيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا البلد؛ فلا تأخذ الأمر على أنه ترف وشرف، بل خذ هذا القول على أنه تكليف سينتفع به المحيطون، سواء كانوا مقصودين به أو غير مقصودين. وتلك لقطة توضح أن التبوؤ حيث يشاء ليس رحمة به فقط؛ ولكنه رحمة بالناس أيضا. ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {نصيب برحمتنا من نشاء}... وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {ولا نضيع أجر المحسنين} والمحسن هو الذي يصنع شيئا فوق ما طلب منه... وسبحانه يجازي المحسنين بكمال وتمام الأجر، وقد كافأ يوسف عليه السلام بالتمكين مع محبة من تولى أمرهم.
قوله تعالى : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء } أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك ، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض ، أي أقدرناه على ما يريد . وقال الكيا الطبري قوله تعالى : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح ، وما فيه الغبطة والصلاح ، واستخراج الحقوق ، ومثله قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث{[9183]} } [ ص : 44 ] وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر ، والذي أداه من التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله{[9184]} .
قلت : وهذا مردود على ما يأتي . يقال : مكناه ومكنا له ، قال الله تعالى : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم{[9185]} } [ الأنعام : 6 ] . قال الطبري : استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريان يوسف على عمل إطفير وعزله ، قال مجاهد : وأسلم على يديه . قال ابن عباس : ملكه بعد سنة ونصف . وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن يوسف قال : إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته ) . ثم مات إطفير فزوجه الوليد بزوجة إطفير راعيل ، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء ، وولدت له ولدين : إفراثيم ومنشا ، ابني يوسف ، ومن زعم أنها زليخاء قال : لم يتزوجها يوسف ، وأنها لما رأته في موكبه بكت ، ثم قالت : الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بالمعصية ، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكا ، فضمها إليه ، فكانت من عياله حتى ماتت عنده ، ولم يتزوجها ، ذكره الماوردي . وهو خلاف ما تقدم عن وهب ، وذكره الثعلبي ، فالله أعلم . ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس ، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به ، وأقام فيهم العدل ، فأحبه الرجال والنساء . قال وهب والسدي وابن عباس وغيرهم : ثم دخلت السنون المخصبة ، فأمر يوسف بإصلاح المزارع ، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة ، فلما أدركت الغلة أمر بها فجمعت ، ثم بنى لها الأهرام ، فجمعت فيها في تلك السنة غلة ضاقت عنها المخازن لكثرتها ، ثم جمع عليه غلة كل سنة كذلك ، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال : يا أهل مصر جوعوا ، فإن الله سلط عليكم الجوع سبع سنين .
وقال بعض أهل الحكمة : للجوع والقحط علامتان : إحداهما : أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة ، ويسرع إليها الجوع خلاف ما كانت عليه قبل ذلك ، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية . والثانية : أن يفقد الطعام فلا يوجد رأسا ويعز إلى الغاية ، فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف ، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع ! ! ويأكلون ولا يشبعون ، وانتبه الملك ينادي الجوع الجوع ! ! قال : فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك ، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها : معاشر الناس ! لا يزرع أحد زرعا فيضيع البذر ولا يطلع شيء . وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف ، قال ابن عباس : لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل ، فهتف الملك يا يوسف ! الجوع الجوع ! ! فقال يوسف : هذا أوان القحط ، فلما دخلت أول سنة من سني القحط هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف ، فباعهم أول سنة بالنقود ، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر ، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب ، حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء ، حتى احتوى على الكل ، وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع ، حتى ملكها كلها ، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا وباعهم في السنة السابعة برقابهم ، حتى لم يبق في السنة السابعة{[9186]} بمصر حر ولا عبد إلا صار عبدا له ، فقال الناس : والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من هذا ، فقال يوسف لملك مصر : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني ! والآن كل هذا لك ، فما ترى فيه ؟ فقال : فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت ، وإنما نحن لك تبع ، وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك ، ولا أنا إلا من بعض مماليكك ، وخول من خولك ، فقال يوسف عليه السلام : إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم ، ولم أجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء ؛ وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ووددت عليهم أموالهم وأملاكهم ، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستن بسنتي . ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع ، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار ، حتى يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين ، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار .
قوله تعالى : { نصيب برحمتنا من نشاء } أي بإحساننا ، والرحمة النعمة والإحسان .
قوله تعالى : { ولا نضيع أجر المحسنين } أي ثوابهم . وقال ابن عباس ووهب : يعني الصابرين ؛ لصبره في الجب ، وفي الرق ، وفي السجن ، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة . وقال الماوردي : واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين : أحدهما : أنه ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه . الثاني : أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلا منه عليه ، وثوابه باق على حاله في الآخرة .
قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 56 وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الكاف في اسم الإشارة نعت لمصدر محذوف ؛ أي ومثل هذا التمكين من إنجائه من السجن وإبرائه من كيد النسوة واستخلاص الملك له ، مكنا له في أرض مصر { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } أي يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء . وذلك بعد لبته في السحن بعض سنين حيث الضيق والكرب والحشر .
قوله : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } كما أصبنا يوسف ؛ إذ وطأنا له في الأرض فصار قويا مكينا ، وذلك بعد هوان الجب ، والصبر على الظلم والكيد ، وبعد إسار العبودية والسجن –بعد ذلك كله أعقبناه الفرج والنصر والإعزاز والتمكين { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } لا يبطل الله جزاء من عمل صالحا فأطاع ربه وصبر على بلائه واتقاه .