الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} إلى الله، فصار الداعي والمؤمن شريكين، {ولا تتبعان سبيل}، يعني طريق {الذين لا يعلمون} بأن الله وحده لا شريك له، يعني أهل مصر.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا خبر من الله عن إجابته لموسى صلى الله عليه وسلم وهارون دعاءهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم. يقول جلّ ثناؤه: قَالَ الله لهما "قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما "في فرعون وملئه وأموالهم.

فإن قائل قائل: وكيف نسبت الإجابة إلى اثنين والدعاء إنما كان من واحد؟ قيل: إن الداعي وإن كان واحدا فإن الثاني كان مؤمنا وهو هارون، فلذلك نسبت الإجابة إليهما، لأن المؤمّن داعٍ...

وأما قوله: "فاسْتَقِيما" فإنه أمر من الله تعالى لموسى وهارون بالاستقامة والثبات على أمرهما من دعاء فرعون وقومه إلى الإجابة إلى توحيد الله وطاعته، إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنه أجابهما فيه...

وقوله: "وَلا تَتّبِعانِ سَبِيلَ الّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خالف له، وإن وعيدي نازل بفرعون وعذابي واقع به وبقومه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(فاستقيما) على الرسالة وما أمرتكما به

(وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) وهو كقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: 18] ونحوه. وإن كان العلم محيطا أن الأنبياء، صلوات الله عليهم، لا يتبعون سبيل أولئك، ولا يتبعون أهواءهم لما عصمهم عز وجل ولكن ذكر هذا، والله أعلم، ليعلم أن العصمة لا تزيل النهي والأمر، بل تزيد حظرا ونهيا، والله أعلم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

حكى الله تعالى أنه اجاب موسى وهارون، فقال لهما "قد اجيبت دعوتكما "والجواب: موافقة للدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الاستقامةُ في الدعاء تَرْكُ الاستعجال في حصول المقصود، ولا يَسْقُطُ الاستعجالُ من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بِحُسْن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب.

ويقال من شرط الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثم حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمال هذا الرضا بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار. ويقال في الآية تنبيهٌ على أنَّ للأمورِ آجالاً معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم في الوقت المعلوم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والمعنى: إنّ دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن ولكن في وقته {فاستقيما}: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجّة، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلاّ قليلاً ولا تستعجلا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السلام، أخبر بإجابته بقوله مستأنفاً: {قال} ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة، افتتحه بحرفه فقال: {قد أجيبت دعوتكما} والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة الدلالة على الفاعل بالاستدلال، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام مع موسى عليه السلام في هذا الدعاء، لأنه معه كالشيء الواحد لا خلاف منه له أصلاً وإن كان غائباً...

ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة، سبب عن ذلك قوله: {فاستقيما} أي: فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع لربكما كما أن نوحاً عليه السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جداً واشتد أذاه ولم يضجر؛ ولما كان الصبر شديداً. أكد قوله: {ولا تتبِّعان} بالاستعجال أو الفترة عن الشكر {سبيل الذين لا يعلمون}.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوتُكُمَا} أي قبلت، وإذا قبلت نفذت.

{فَاسْتَقِيمَا} على ما أنتما عليه من دعوة فرعون وقومه إلى الحق، ومن إعداد بني إسرائيل للخروج من مصر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: فامضيا لأمري وهو الاستقامة.

{ولاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولا تسلكان طريق الذين لا يعلمون سنتي في خلقي، وإنجاز وعدي لرسلي، فتستعجلا الأمر قبل أوانه، وتستبطئا وقوعه في إبانه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون).. فيخبطوا على غير علم، ويترددوا في الخطط والتدبيرات، ويقلقوا على المصير، ولا يعرفوا إن كانوا يسيرون في الطريق الهادي أم هم ضلوا السبيل.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والاستقامة: حقيقتها الاعتدال، وهي ضد الاعوجاج، وهي مستعملة كثيراً في معنى ملازمة الحق والرشد، لأنه شاع تشبيه الضلال والفساد بالاعوجاج والالتواء. وقيل للحق: طريق مستقيم. وفي حديث أبي عَمْرَةَ الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم. ومن الاستقامة أن يستمرا على الدعوة إلى الدين ولا يضجرا.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (89)

قوله تعالى : " قال قد أجيبت دعوتكما " قال أبو العالية : دعا موسى وأمن هارون ؛ فسمي هارون{[8564]} وقد أمن على الدعاء داعيا . والتأمين على الدعاء أن يقول آمين ، فقولك آمين دعاء ، أي لا رب استجب لي . وقيل : دعا هارون مع موسى أيضا . وقال أهل المعاني : ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين ، قال الشاعر :

فقلت لصاحبي لا تُعجلانا *** بنزع أصوله فاجتز شِيحَا

وهذا على أن آمين ليس بدعاء ، وأن هارون لم يدع . قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول : الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام " ربنا " ولم يقل رب . وقرأ علي والسلمي " دعواتكما " بالجميع . وقرأ ابن السميقع " أجبت دعوتكما " خبرا عن الله تعالى ، ونصب دعوة بعده . وتقدم القول في " آمين " في آخر الفاتحة{[8565]} مستوفى . وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام . روى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وقد تقدم في الفاتحة{[8566]} .

قوله تعالى : " فاستقيما " قال الفراء وغيره : أمر بالاستقامة . على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان ، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة . قال محمد بن علي وابن جريح : مكث فرعون وقومه به هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا . وقيل : " استقيما " أي على الدعاء ؛ والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب . " ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون " بتشديد النون في موضع جزم على النهي ، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر ؛ لأنها أشبهت نون الاثنين . وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي . وقيل : هو حال من استقيما ، أي استقيما غير متبعين ، والمعنى : لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي .


[8564]:من ع و ك و هـ.
[8565]:راجع ج 1 ص 127.
[8566]:راجع ج 1 ص 127.