سورة   يونس
 
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (89)

وقوله تعالى : { قال قد أجيبت دعوتكما } فيه وجهان :

الأوّل : قال ابن عباس : إنّ موسى كان يدعو وهارون كان يؤمّن فلذلك قال : دعوتكما ، وذلك أنّ من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع ؛ لأنّ قوله آمين تأويله : استجب ، فهو سائل كما أنّ الداعي سائل أيضاً .

الثاني : أن يكون كل منها ذكر هذا . غاية ما في الباب أن يقال : إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله تعالى : { وقال موسى ربنا } وهذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر الدعاء أيضاً . وأمّا قوله تعالى : { فاستقيما } فمعناه اثبتا على الدعوة والرسالة والزيادة في الزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فلا تستعجلا . قال ابن جريج : إنّ فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة . { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } أي : الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال فربما أجاب الله تعالى دعاء الإنسان في مطلوبه إلا أنه إنما ربما يوصله إليه في وقته المقدور ، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال ، وهذا كما قال تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام : { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [ هود ، 46 ] وهذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام ، كما أنّ قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر ، 65 ] لا يدل على صدور الشرك منه صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون ، والباقون بتشديدها ؛ لأنّ نون التوكيد تثقل وتخفف .

ولما أجاب الله تعالى دعاءهما أمر بني إسرائيل وكانوا ستمائة ألف بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ، ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلاً عن ذلك .