تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك}، يعني الأنبياء قبلك، {وجعلنا لهم أزواجا وذرية}، يعني النساء والأولاد، {وما كان لرسول أن يأتي بآية}، وذلك أن كفار مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، فقال الله تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية}، إلى قومه، {إلا بإذن الله}، يعني إلا بأمر الله، {لكل أجل كتاب}، يقول: لا ينزل من السماء كتاب إلا بأجل...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: (ولقد أرسلنا)، يا محمد (رسلا من قبلك) إلى أمم قَدْ خَلَتْ من قبلِ أمتك، فجعلناهم بَشرًا مثلَك، لهم أزواج ينكحون، وذريةٌ أنْسَلوهم، ولم نجعلهم ملائكةً لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعلَ الرسولَ إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم.
(وما كان لرسول أن يأتيَ بآية إلا بإذن الله) يقول تعالى ذكره: وما يقدِر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أنْ يأتي أمَّتَه بآية وعلامة، من تسيير الجبال، ونقل بَلْدةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى ونحوها من الآيات، (إلا بإذن الله)، يقول: إلا بأمر الله الجبالَ بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا. (لكل أجل كتاب)، يقول: لكلِّ أجلِ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتَبَه فهو عنده.
وقد قيل: معناه: لكل كتابٍ أنزله الله من السماء أجَلٌ... وهذا على هذا القول نظيرُ قول الله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) [سورة ق:19]، وكان أبو بكر رحمه الله يقرأه: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ)، وذلك أن سَكْرة الموت تأتي بالحق، والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب وللكتاب أجَلٌ.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... قوله "لكل أجل كتاب "معناه لكل أجل قدره، كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية الا بأجل قد قضاه الله تعالى في كتاب على ما توجبه صحة تدبير العباد.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ}. أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{لكل أجل كتاب} لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. وكل أجل مكتوب محصور،...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم قد قال: لو كان نبياً شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلاً} ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً، {و} أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن {جعلنا} أي بعظمتنا {لهم أزواجاً} أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأنثى، وهو هنا الأنثى {وذرية} وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته {و} لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفاً لهم، بل {ما كان لرسول} أي رسول كان {أن يأتي بآية} مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك {إلا بإذن الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة، فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء منها بل {لكل أجل} أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور {كتاب} قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإتيان بالآيات وغيرها، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإذا كان هناك اعتراض على بشرية الرسول فقد كان الرسل كلهم بشرا: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجا وذرية).. وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن الله: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله).. وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء. وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب، فإن لكل فترة كتابا، وهذا هو الكتاب الأخير: (لكل أجل كتاب)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
المقصود من الردّ هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة...
وجملة {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هي المقصود وهي معطوفة على جملة {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك}. وتركيب {ما كان} يدل على المبالغة في النفي... وإذن الله: هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية، فاستعير الإتيان للإظهار، واستعير الإذن للخلق والتكوين...
والأجل: الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود. والكتاب: المكتوب، وهو كناية عن التحديد والضبط، لأن شأن الأشياء التي يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها. وفي هذا الرد تعريض بالوعيد. والمعنى: لكل واقع أجلٌ يقع عنده، ولكل أجل كتاب، أي تعيين وتحديد لا يتقدمه ولا يتأخر عنه...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} تأكيد للصفة البشرية التي اختار الله أن يكون عليها رسله إلى الناس، فهم من ناحية التكوين الخلقي بشر عاديون لا ملائكة، ولا أنصاف ملائكة، ولا صنف آخر من أصناف المخلوقات، {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] -{قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93]، وهم من ناحية الانتخاب الخلقي والاصطفاء الإلهي للرسالة بشر لا كالبشر {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124]. وتفيد الآية الكريمة في نفس الوقت أن الرسالة لا تستلزم رهبانية ولا انصرافا عن الحياة الإنسانية العادية، حياة الزوجية وإنجاب الذرية، خلافا لما ابتدعه المبتدعة في مختلف الأديان والملل، وادعوا أنه يقربهم إلى الله دون حياء ولا خجل...
منهم من قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوجوا وأنجبوا. وحين تكون حياة الرسول قريبة كمثال واضح من حياة الناس الذين أرسل إليهم؛ ليكون أسوة لهم؛ فالأسوة تتأتى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأب وزوج، فالأسوة تكون واضحة للناس...
ويتابع الحق سبحانه: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أي رسول من الرسل، ولم يكن لأي رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له...
{لكل أجل كتاب} أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} تماماً كما أنت عليه في كونك بشراً، بكل ما تفرضه البشرية عليك من حاجاتٍ ماديةٍ وعلاقاتٍ ومنها علاقات الزواج، وما ينتج عنها من تناسل. وبذلك فإنهم لا يحملون أيّة خصوصية غيبيّةٍ، تقربهم ولو بشكل محدود من حالة الألوهية، فليس لهم قدرة على تغيير نظام العالم بناءً على طلبٍ أو اقتراحٍ في تحويل الصحراء إلى جناتٍ وأنهار، وفي إسقاط السماء قطعاً متناثرةً على الأرض، أو غير ذلك، مما يتصوره الناس من قدرات من خصائص النبوّة وإمكاناتها، فهم عباد مكرمون مطيعون لله، لا يملكون عمل أيّ شيء في شؤونهم الخاصة إلا بالله، فكيف يملكون قدرة تغيير نظام الكون بذاتهم؟...
الأولى : قيل : إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج ، وعيرته بذلك وقالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ، فأنزل الله هذه والآية ، وذكرهم أمر داود وسليمان فقال : " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " أي جعلناهم بشرا يقصون ما أحل الله من شهوات الدنيا ، وإنما التخصيص في الوحي .
الثانية : هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه ، وتنهي عن التبتل ، وهو ترك النكاح ، وهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه الآية ، والسنة واردة بمعناها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ) الحديث . وقد تقدم في " آل عمران " {[9416]} وقال : ( من تزوج فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الثاني ){[9417]} . ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزنى ، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الجنة فقال : ( من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه ) خرجه الموطأ وغيره .
وفي صحيح البخاري عن أنس قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال الآخر : إني أصوم الدهر فلا أفطر . وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم{[9418]} فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . خرجه مسلم بمعناه ، وهذا أبين .
وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال :( أراد عثمان أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا ، وقد تقدم في " آل عمران " {[9419]} الحض على طلب الولد والرد على من جهل ذلك . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول : إني لأتزوج المرأة وما لي فيها من حاجة ، وأطؤها وما أشتهيها ، قيل له : وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين يوم القيامة ، وإني سمعته يقول : ( عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) يعني بقول : ( أنتق أرحاما ) أقبل للولد ، ويقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق ؛ لأنها ترمي بالأولاد رميا . وخرج أبو داود عن معقل بن يسار قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال ، وإنها لا تلد ، أفأتزوجها ؟ قال " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه ، ثم أتاه الثالثة فقال : ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) . صححه أبو محمد عبد الحق وحسبك .
قوله تعالى : " وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله " عاد الكلام إلى ما اقترحوا من الآيات - ما تقدم ذكره في هذه السورة - فأنزل الله{[9420]} ذلك فيهم ، وظاهر الكلام حظر ومعناه النفي ؛ لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه . " لكل أجل كتاب " أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله ؛ قال الحسن . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، المعنى : لكل كتاب أجل ؛ قال الفراء والضحاك ، أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ، ووقت معلوم ، نظيره . " لكل نبأ مستقر{[9421]} " [ الأنعام : 67 ] ، بين أن المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول العذاب ، بل لكل أجل كتاب . وقيل : المعنى لكل مدة كتاب مكتوب ، وأمر مقدر لا تقف عليه الملائكة . وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : لما ارتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طور سيناء رأى الجبار في إصبعه خاتما ، فقال : يا موسى ما هذا ؟ وهو أعلم به ، قال : شيء من حلي الرجال ، قال : فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي ؟ قال : لا ، قال : فاكتب عليه " لكل أجل كتاب " .