تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يمحو الله ما يشآء}، يقول: ينسخ الله ما يشاء من القرآن، {ويثبت}، يقول: ويقر من حكم الناسخ ما يشاء، فلا ينسخه، {وعنده أم الكتاب}، يعني أصل الكتاب، يقول: الناسخ من الكتاب، والمنسوخ فهو في أم الكتاب، يعني بأم الكتاب اللوح المحفوظ...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ" اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛
فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عبادِه، فيغيّره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يُغَيَّران... عن ابن عباس قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، قال: إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتابٍ سوى أمّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد...
[عن] عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول، وهو يطوف بالكعبة: اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنّ الله ينسخ ما يشاء من أحكام كِتَابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسَخُه...
وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله...
وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر... وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهُها بالصّواب، القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعَّد المشركين الذين سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الآياتِ بالعقوبة، وتهدَّدهم بها، وقال لهم: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)، يعلمهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلا مُثْبَتًا في كتاب، هم مؤخَّرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل. ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل، يجيء الله بما شَاء ممن قد دَنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مالٍ، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك مَحْوُه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله، فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه...
اختلفَ أهل التأويل في تأويل قوله: (وعنده أم الكتاب)؛
فقال بعضهم: معناه: وعنده الحلال والحرام.
وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحُو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقَّب ذلك بقوله: (وعنده أم الكتاب)، فكان بيِّنًا أن معناه. وعنده أصل المثبّت منه والمَمحوّ، وجملتُه في كتاب لديه.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (ويثبت)؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: "وَيُثَبِّتُ" بتشديد "الباء" بمعنى: ويتركه ويقرُّه على حاله، فلا يمحوه
وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين: (وَيُثْبِتُ) بالتخفيف، بمعنى: يكتب..
وقد بيَّنَّا قبلُ أن معنى ذلك عندنا: إقرارُه مكتوبًا وتركُ محْوه على ما قد بيَّنَّا، فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيتُ به أولى، والتشديدُ أصْوبُ من التخفيف، وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنييهما...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
قوله عز وجل: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} فيه سبعة تأويلات:
أحدها: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران، قاله ابن عباس.
الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء في كتاب سوى أُم الكتاب، وهما كتابان أحدهما: أم الكتاب لا يغيره ولا يمحو منه شيئاً كما أراد، قاله عكرمة.
الثالث: أن الله عز وجل ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه، قاله قتادة وابن زيد.
الرابع: أنه يمحو مَنْ قد جاء أجلُه ويثبت من لم يأت أجلُه، قاله الحسن.
الخامس: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره، قاله سعيد بن جبير.
السادس: أنه الرجل يقدم الطاعة ثم يختمها بالمعصية فتمحو ما قد سلف، والرجل يقدم المعصية ثم يختمها بالطاعة فتمحو ما قد سلف، وهذا القول مأثور عن ابن عباس أيضاً.
السابع: أن الحفظة من الملائكة يرفعون جميع أقواله وأفعاله، فيمحو الله عز وجل منها ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب، قاله الضحاك.
{وعنده أم الكتاب} فيه ستة تأويلات:
أحدها: الحلال والحرام، قاله الحسن.
الثاني: جملة الكتاب، قاله الضحاك.
الثالث: هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق، قاله كعب الأحبار.
الرابع: هو الذكر، قاله ابن عباس.
الخامس: أنه الكتاب الذي لا يبدل، قاله السدي.
السادس: أنه أصل الكتاب في اللوح المحفوظ، قاله عكرمة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{يَمْحُواْ الله مَا يَشَاء} ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ... وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم. وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال. {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
تخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في {أم الكتاب} وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها -ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم...
وقالت فرقة -منها الحسن- هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر، وقيل: -في ليلة نصف شعبان- يكتب آجال الموتى فيمحى ناس من ديوان الأحياء ويثبتون في ديوان الموتى. وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم {يمحو الله ما يشاء ويثبت}...
وأصوب ما يفسر به {أم الكتاب} أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
قوله: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} اختلف المفسرون في ذلك... ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم علل ذلك بقوله: {يمحو الله} أي الملك الأعظم {ما يشاء} أي محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى:
{ما ننسخ من آية أو ننساها} [البقرة:106] إلى قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة:106] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل شيء، وهو الفعال لما يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء...
وقال: {وعنده} مع ذلك {أم} أي أصل {الكتاب} لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب...
والمراد -والله أعلم- أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا -وإن كان في الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، والقضاء الأزلي، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فذلك هو القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
هذه الآية، لو تمعن فيها القارئ، لعلم أنها في معنى[...] أنهم كانوا يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أوائل البعثة، أن يأتي بآية كآية موسى وعيسى. توهما أن ذلك هو أقصى ما يدل على نبوة النبي في كل زمان ومكان. فأعلمهم الله تعالى أن دور تلك الآيات الحسية انقضى دورها وذهب عصرها. وقد استبعد البشر للتنبه إلى الآية العقلية، وهي آية الاعتبار والتبصر. وإن تلك الآيات محيت كما محي عصرها. وقد أثبت تعالى غيرها مما هو أجلى وأوضح وأدل على الدعوة. وهو قوله تعالى قبلها: {ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
قال: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {يمحو الله ما يشاء} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة {لكل أجل كتاب} تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلاً له. ولما كان في ذلك تأييس للناس عقب بالإعلام بأن التوبة مقبولة وبإحلال الرجاء محلّ اليأس، فجاءت جملة {يمحو الله ما يشاء ويثبت} احتراساً. وحقيقة المحو: إزالة شيء، وكثر في إزالة الخط أو الصورة، ومرجع ذلك إلى عدم المشاهدة، قال تعالى: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} [سورة الإسراء: 12]. ويطلق مجازاً على تغيير الأحوال وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد فإن لها نسباً ومفاهيم إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتُها إثباتاً لها وإذا لم تطابقه كان عدم مطابقتها محواً لأنه إزالة لمدلولاتها. والتثبيت: حقيقته جعل الشيء ثابتاً قاراً في مكان، قال تعالى: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [سورة الأنفال: 45]. ويطلق مجازاً على أضداد معاني المحو المذكورة. فيندرج في ما تحتمله الآية عدةُ معانٍ: منها أنه يُعدم ما يشاء من الموجودات ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويُقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء. وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته. وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا أوجَدَ شيئاً كان عالماً أنه سيوجده، وإذا أزال شيئاً كان عالماً أنه سيزيله وعالماً بوقت ذلك. وأبهم الممحو والمثبت بقوله: {ما يشاء} لتتوجه الأفهام إلى تعرّف ذلك والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسبابُ المشيئة لا تحصى. ومن مشيئة الله تعالى محوَ الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال. ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر في تدارك أمورهم، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه. ومن آثار المحو تغير إجراء الأحكام على الأشخاص، فبينما ترى المحارب مبحوثاً عنه مطلوباً للأخذ فإذا جاء تائباً قبل القدرة عليه قُبل رجوعه ورفع عنه ذلك الطلب، وكذلك إجراء الأحكام على أهل الحرب إذا آمنوا ودخلوا تحت أحكام الإسلام...
وبهذا يتحصل أن لفظ {ما يشاء} عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى بيانه، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة أسانيده. ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محواً، فهو ثابت وهو قسيم لما يشاء الله محوه. ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاءُ الله محوه أو إثباته سواء كان تعييناً بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات أو من الأفعال، وأن جملة {وعنده أم الكتاب} أفادت أن ذلك لا يطلع عليه أحد. ويجوز أن يكون قوله: {وعنده أم الكتاب} مراداً به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: {لكل أجل كتاب}، وأن المحو في غير الآجال. ويجوز أن يكون أم الكتاب مراداً به علم الله تعالى، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيُمحى أو يثبت...
و {أم الكتاب} لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذُكر في قوله: {لكل أجل كتاب}. فإن طريقَة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون المُعادة عينَ الأولى بأن يجعل التعريف تعريف العهد، أي وعنده أم ذلك الكتاب، وهو كتاب الأجل...
والعِندية عندية الاستئثار بالعلم وما يتصرف عنه، أي وفي ملكه وعلمه أمّ الكتاب لا يَطلع عليها أحد. ولكن الناس يرون مظاهرها دون اطلاع على مدى ثبات تلك المظاهر وزوالها، أي أن الله المتصرف بتعيين الآجال والمواقيت فجعل لكل أجل حداً معيناً، فيكون أصل الكتاب على هذا التفسير بمعنى كله وقاعدته. ويحتمل أن يكون التعريف في {الكتاب} الذي أضيف إليه {أم} أصل ما يُكتب، أي يُقدر في علم الله من الحوادث فهو الذي لا يُغيّر...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. يمحو الله من الآيات ما يشاء منها، ويثبت ما يشاء محوه منها، ويبث ما شاء منها فإذا كانت العصا معجزة في عصر موسى، وأقامت الدليل على رسالة موسى عليه السلام، فإن الله تعالى نسخها، ولا تكون آية لإتيان رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ويثبت له آية أخرى، وهي القرآن الكريم، وإذا كان عيسى له آيات خرقت نظام الأسباب والمسببات، فقد نسخها الله تعالى، وأثبت لمحمد معجزة أخرى تناسب رسالته، وتبقى ببقائها، فيثبتها الله تعالى...
يكون المحو، بإلغاء آيات مادية، والإثبات إثبات أخرى، وأن تكون الشرائع السماوية التي جاءت بها الرسل، ينسخ بعضها بعضا، ولكن يبقى الأصل القائم وهو أم الكتاب، وهو التوحيد، والعدل، وإقامة الحق، والإصلاح في الأرض...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
فأم الكتاب هو القسم المحكم من آيات الوحي الإلهي الذي لم يصبه أي محو ولم يلحقه أي نسخ، من العقيدة الأساسية، والشريعة الأصلية، الصالحتين للاستمرار والبقاء، والمتفق عليهما في الكتب الإلهية جمعاء، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13]...
قوله تعالى : " يمحو الله ما يشاء ويثبت " أي يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به . " ويثبت " ما يشاء ، أي يؤخره إلى وقته ؛ يقال : محوت الكتاب محوا ، أي أذهبت أثره . " ويثبت " أي ويثبته ، كقوله : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات{[9422]} " [ الأحزاب : 35 ] أي والذاكرات الله . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم " ويثبت " بالتخفيف ، وشدد الباقون ، وهي قراءة ابن عباس ، واختيار أبي حاتم وأبي عبيد لكثرة من قرأ بها ، لقوله : " يثبت الله الذين آمنوا{[9423]} " [ إبراهيم : 27 ] . وقال ابن عمر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت ) . وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء{[9424]} ، الخَلق والخُلق والأجل والرزق والسعادة والشقاوة ، وعنه : هما كتابان سوى أم الكتاب ، يمحو الله منهما ما يشاء ويثبت . " وعنده أم الكتاب " الذي لا يتغير منه شيء . قال القشيري : وقيل السعادة والشقاوة والخلق والخلق والرزق لا تتغير ، فالآية فيما عدا هذه الأشياء ، وفي هذا القول نوع تحكم .
قلت : مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنما يؤخذ : توقيفا ، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده ، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء ، وهو الأظهر والله أعلم ، وهذا يروى معناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم ، وهو قول الكلبي . وعن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب . وقال ابن مسعود : اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم ، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء ، فإنك : تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب . وكان أبو وائل يكثر أن يدعو : اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامح واكتبنا سعداء ، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب . وقال كعب لعمر بن الخطاب : لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة . " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " . وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا لها : اللهم إن كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب . وقد تقدم في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له أثره فليصل رحمه ){[9425]} . ومثله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحب ) فذكره بلفظه سواء ، وفيه تأويلان : أحدهما : معنوي ، وهو ما يبقى بعده من الثناء الجميل والذكر الحسن ، والأجر المتكرر ، فكأنه لم يمت . والآخر : يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ ، والذي في علم الله ثابت لا تبدل له ، كما قال : " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " . وقيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه ) كيف يزاد في العمر والأجل ؟ ! فقال : قال الله عز وجل : " هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " {[9426]} [ الأنعام : 2 ] . فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته ، والأجل الثاني : يعني المسمى عنده - من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله ، فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ، ما شاء ، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء ، فيزيده في البرزخ فإذا تحتمل الأجل في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان ؛ لقوله تعالى : " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون{[9427]} " [ الأعراف : 34 ] فتوافق الخبر والآية ، وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل على ظاهر اللفظ ، في اختيار حبر الأمة ، والله أعلم . وقال مجاهد : يحكم الله أمر السنة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، إلا الحياة والموت ، والشقاء والسعادة ؛ وقد مضى القول فيه . وقال الضحاك : يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب ، وروى معناه أبو صالح عن ابن عباس .
وقال الكلبي : يمحو من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه ، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم سئل الكلبي عن هذه الآية فقال : يكتب القول كله ، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب ، مثل قولك : أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه ، وهو صادق ، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب . وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير : يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل فينسخه ويبدله ، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب ، ونحوه ذكره النحاس والمهدوي عن ابن عباس ، قال النحاس : وحدثنا بكر بن سهل ، قال حدثنا أبو صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، " يمحو الله ما يشاء " يقول : يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه ، " ويثبت " ما يشاء فلا يبدله ، " وعنده أم الكتاب " يقول : جملة ذلك عنده في أم الكتاب ، الناسخ والمنسوخ . وقال سعيد بن جبير أيضا : يغفر ما يشاء - يعني - من ذنوب عباده ، ويترك ما يشاء فلا يغفره . وقال عكرمة : يمحو ما يشاء - يعني بالتوبة - جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات قال تعالى{[9428]} : " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا{[9429]} " [ الفرقان : 70 ] الآية . وقال الحسن : " يمحو الله ما يشاء " من جاء أجله ، " ويثبت " من لم يأت أجله . وقال الحسن : يمحو الآباء ، ويثبت الأبناء . وعنه أيضا . ينسى الحفظة من الذنوب ولا ينسي . وقال السدي : " يمحو الله ما يشاء " يعني : القمر ، " ويثبت " يعني : الشمس ، بيانه قوله : " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة{[9430]} " [ الإسراء : 12 ] وقال الربيع بن أنس : هذا في الأرواح حالة النوم ، يقبضها عند النوم ، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه ، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ، بيانه قوله : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[9431]} " الآية [ الزمر : 42 ] . وقال علي بن أبي طالب يمحو الله ما يشاء من القرون ، كقوله : " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون{[9432]} " [ يس : 31 ] ويثبت ما يشاء منها ، كقوله : " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين{[9433]} " [ المؤمنون : 31 ] فيمحو قرنا ، ويثبت قرنا . وقيل : هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله ، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ضلاله ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ثم يتوب ، فيمحوه الله من ديوان السيئات ، ويثبته في ديوان الحسنات ، ذكره الثعلبي والماوردي عن ابن عباس . وقيل : يمحو الله ما يشاء - يعني الدنيا - ويثبت الآخرة . وقال قيس بن عباد في اليوم العاشر من رجب : هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء ، ويثبت فيه ما يشاء ، وقد تقدم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان .
وقال ابن عباس : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام ، من درة بيضاء ، لها دفتان من ياقوتة حمراء ، لله فيه{[9434]} كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة ، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء . وروي أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله سبحانه يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ) . والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله ، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء ، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعا محتوما ، وهو الثابت ، ومنه ما يكون مصروفا بأسباب ، وهو الممحو ، والله أعلم . وقال الغزنوي : وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة ، فيحتمل التبديل ؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال ، وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل . " وعنده أم الكتاب " أصل ما كتب من الآجال وغيرها . وقيل : أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير . وقد قيل : إنه يجري فيه التبديل . وقيل : إنما يجري في الجرائد الأخر . وسئل ابن عباس عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق ، وما خلقه عاملون ، فقال لعلمه : كن كتابا ، ولا تبديل في علم الله ، وعنه أنه الذكر ، دليله قوله تعالى : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر{[9435]} " [ الأنبياء : 105 ] وهذا يرجع معناه إلى الأول ، وهو معنى قول كعب . قال كعب الأحبار : أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق .