أما الذين رزقَهم الله السعادةَ فيدخلون الجنة خالدين فيها إلى ما لا نهاية ، إلا الفريق الذي يشاء الله تأخيرَه عن دخول الجنة مع السابقين ، وهم عصاةُ المؤمنين ، وهؤلاء يتأخَرون في النار ريثما يتم توقيع الجزاء عليهم ، ثم يخرجون منها إلى الجنة ويعطي ربك أهل الجنة عطاءً دائماً غير مقطوع ولا منقوص .
قرأ حمزة والكسائي وحفص : «وأما الذين سعدوا » بضم السين وكسر العين والباقون : «سعدوا » بفتح السين وكسر العين .
{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا دَامَتِ السماوات والارض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } الكلام فيه ما علمتخلا أنه لم يذكر ههنا أن لهم بهجة وسروراً كما ذكر في أهل النار { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] لأن المقام مقام التحذير والإنذار ، و { سُعِدُواْ } بالبناء للمفعول قراءة حمزة . والكسائي . وحفص ، ونسبت إلى ابن مسعود . وطلحة بن مصرف . وابن وثاب . والأعمس ، وقرأ جمهور السبعة { سُعِدُواْ } بالبناء للفاعل ، واختار ذلك علي بن سليمان ، وكان يقول : عجباً من الكسائي كيف قرأ { سُعِدُواْ } مع علمه بالعربية ، وهذا عجيب منه فإنه ما قرأ إلا ما صح عنده ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرد بذلك ، وروي عنه أنه احتج لذلك بقولهم : مسعود ، وتعقب بأنه لا حجة فيه لاحتمال أنه كان مسعود فيه ، وذكر أن الفراء حكى أن هذيلاً تقول : سعده الله تعالى بمعنى أسعده ، وقال الجوهري : سعد بالكسر فهو سعيد مثل قولهم : سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ، وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري : ورد سعده الله تعالى فهو مسعود ، . وأسعده الله تعالى فهو مسعد ، وما ألطف الإشارة في شقوا . وسعدوا على قراءة البناء للفاعل في الأول والبناء للمفعول في الثاني ، فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى . ومن لم يجد فلا يلومنّ إلا نفسه { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم ، ومصدره الجذ ، وقد جاء جذذت . وجددت بالذال المعجمة والدال كما قال ابن قتيبة ، وبالمعجمة أكثر ، ونصب { *عطاءاً } على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله سبحانه : { سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا } يقتضي إعذاءاً وإنعاماً فكأنهم قيل : يعطيهم إعطاءاً وهو إما اسم مصدر هو الاعطاء . أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى : { أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] ، وقيل : هو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة . أو تمييز ، فإن نسبة مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ ، وعلى جهة عطاء غير مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة ، ولعل النصب على المصدرية أولى وكأنه جيء بذلك اعتناءاً ومبالغة في التأبيد ودفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناء من الانقطاع ، وقيل : إن ذلك لبيان أن ثواب أهل الجنة وهو إما نفس الدخول . أو ما هو كاللازم البين له لا ينقطع فيعلم منه أن الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من الله تعالى ؛ أو لبيان النقص من جانب المبدأ ولهذا فرق في النظم بين التأبيد من حيث تمم الأول بقوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء ويختار ؛ والثاني بقوله تعالى : { *عطاءاً } الخ بياناً لأن إحسانه لا ينقطع ، ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل بذلك في الجنة ، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال : قال عمر : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ، وبما أخرج إسحق بن راهويه عن أبي هريرة قال : سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد ، وقرأ
{ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذين شَقُواْ } [ هود : 106 ] الآية ، وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ * السموات والارض *إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 801 ] قال : وقال ابن مسعود : ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها ، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً إلى غير ذلك من الآثار .
وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين ، وأول البعض بعضها ؛ ومر شيى من الكلام في ذلك ، وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف ، والقواطع أكثر من أتي تحصى ، ولا يقاوم واحداً منها كثير من هذه الأخبار ، ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها كما روي عن السدى بل لا يكاد يصح القول بالنسخ ي مثل ذلك ، هذا وقد ذكر أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم أما الجمع ففي قوله تعالى : { يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ هود : 105 ] فإن النفس كما تقرر عامة لكونها نكرة في سياق النفي ، وأما التفريق ففي قوله تعالى : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] وأما التقسيم ففي قوله سبحانه : { فَأَمَّا الذين شَقُواْ } [ هود : 106 ] الخ ونظيرها في ذلك قول الشريف القيرواني :
لمختلفي الحاجات جمع ببابه *** فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغني *** وللمذنب العتبي وللخائف الأمن
ومن هنا يعلم حال الفاءين فاء { فَمِنْهُمْ } وفاء { فَأَمَّا } الخ ، قيل : وفي العدول عن فأما الشقى ففي النار خالداً فيها الخ وأما السعيد أو المسعود ففي الجنة خالداً فيها الخ إلى ما في النظم الجليل إشارة إلى سبق هذه الشقاوة والسعادة وأن ذلك أمر قد فرغ منه كما يدل عليه ما أخرجه أحمد . والترمذي . والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا : لا يا رسول الله أما تخبرنا ؟ فقال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم أجلهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ، ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ، فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟ فقال : سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ، وأن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ، ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده فنبذهما وقال : فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير » وجاء في حديث «الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه » وحمل ذلك بعضهم على ظهور الأمر لملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل ذلك ، وبعضهم فسر الأمر بالثبوت العلمي الذي يظهر المعلوم منه إلى هذا الوجود الخارجي وهو ضرب من التأويل كما لا يخفى ، ولا يأبى هذه الإشارة عند التأمل ما أخرجه الترمذي وحسنة .
وأبو يعلى . وابن مردويه . وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : «لما نزلت { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] قلت : يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه ، أو على شيء لم يفرغ منه ؟ قال : بل على شيء قد فرغ وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له » ، وقيل : كان الظاهر هنا التعبير بالمضارع إلا أنه عبر بالماضي إشارة إلى تحقق الوقوع وأتى بالموصول جمعاً إيذاناً بأن المراد بشقى وسعيد فريق شقي . وفريق سعيد ، ولم يقل أشقياء وسعداء لأن الإفراد أوفق بما قبل ، وقيل : الإفراد أولا للاشارة إلى أن كل فريق من حيث اتصافه بالشقاوة أو السعادة كشيء واحد ، وجمع ثانياً لما أن دخول كل فريق في الجنة والنار ليس جملة واحدة بل جمعاً جمعاً وزمرة وله شواهد من الكتاب والسنة .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة } أي جنة حصول المرادات واللذات وهي جنة النفس { خالدين فِيهَاما دَامَتِ السماوات والارض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 108 ] فيخرجون من ذلك إلى ما هو أعلى وأعلى من جنات القلب في مقام تجليات الصفات وجنات الروح في مقام الشهود وهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وقد يحمل التنوين على النوعية ويؤول الاستثناء بخروج الشقي من النار بالترقي من مقامه إلى الجنة بزكاء نفسه عما حال بينه وبينها
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض}، كما تدومان لأهل الدنيا، ثم لا يخرجون منها، وكذلك السعداء في الجنة، ثم استثنى، فقال: {إلا ما شاء ربك}، يعني: الموحدين الذين يخرجون من النار، ثم قال: {عطاء غير مجذوذ}، يعني: غير مقطوع عنهم أبدا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض"، يقول: أبدا، "إلا ما شاء ربك"؛ فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: إلا ما شاء ربك من قدْر ما مكثوا في النار قبل دخولهم الجنة، قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة...
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدّة دوام السماوات والأرض، قال: وذلك هو الخلود فيها أبدا...
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب... هو {وأمّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي ا لجَنّةِ خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شَاءَ رَبّكَ} من قدر مكثهم في النار، من لدن دخلوها إلى أن أدخلوا الجنة، وتكون الآية معناها: الخصوص، لأن الأشهر من كلام العرب في «إلا» توجيهها إلى معنى الاستثناء وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها إلا أن يكون معها دلالة تدل على خلاف ذلك، ولا دلالة في الكلام، أعني: في قوله: {إلاّ ما شَاءَ رَبّكَ}، تدلّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام فيوجه إليه.
وأما قوله: {عَطاءً غيرَ مَجْذُوذٍ}، فإنه يعني عطاء من الله غير مقطوع عنهم، من قولهم: جذذت الشيء أجذّه جذّا: إذا قطعته...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8]...
اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم [دائمًا]، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النَّفس...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تم أمر الأشقياء، عطف عليه قسيمهم فقال: {وأما الذين سعدوا} أي فازوا بمطالبهم وتيسر أمرهم {ففي الجنة} أي التي صارت معلومة من الدين بالضرورة {خالدين فيها} دائماً أبداً {ما دامت السماوات والأرض} على ما جرت به عادة العرب في إرادة التأبيد بلا آخر بمثل هذا {إلاّ ما شآء ربك} وأدل دليل على ما قلت في الاستثناء قوله: {عطاء} هو نصب على المصدر {غير مجذوذ} أي مقطوع ولا مكسور ولا مفصول -لعطاء من الأعطية ولا مفرق ولا مستهان به: لأنهم لو انفكوا من النعيم حقيقة أو معنى ولو لحظة لكان مقطوعاً أو منقوصاً؛ وفي الختم بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ما كان لأهل النار؛ ...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} أي دائما غير مقطوع، من جذه يجذه [من باب نصر] إذا قطعه أو كسره، فهو كقوله تعالى: {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8]، والفرق بين هذا التذييل وما قبله عظيم، فكل من الجزاءين منه تعالى، ومقيد دوامه بمشيئته، ولكنه ذيل هذا بأنه هبة منه، وإحسان دائم غير مقطوع، ولو كان الأول مثله غير مقطوع لما كان فضلا وإحسانا،وقد تكرر وعد الله للمؤمنين المحسنين بأنه يجزيهم بالحسنى وبأحسن مما عملوا، وبأنه يزيدهم من فضله، وبأنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر ذلك إلى سبعمائة ضعف. ولم يعد بزيادة جزاء الكافرين والمجرمين على ما يستحقون، بل كرر الوعد بأنه يجزيهم بما عملوا، وبأن السيئة بمثلها وهم لا يظلمون، وبأنه لا يظلم أحدا...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أمّا الاستثناء الثاني الواقع في جانب {الذّين سعدوا} فيحتمل معنيين:
أحدهما أن يراد: إلاّ ما شاء ربك في أوّل أزمنة القيامة، وهي المدّة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التّائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة كما في الصّحيح من حديث أنس: « يدخل ناسٌ جهنّم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا وأدخلوا الجنّة فيقال: هؤلاء الجهنميون».
ويحتمل أن يقصد منه التّحذير من توهّم استحقاق أحد ذلك النعيم حقاً على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرّحمة.
وليس يلزم من الاستثناء المُعلّق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنّما يقتضي أنّها لو تعلّقت المشيئة لوقع المستثنى، وقد دلّت الوعود الإلهية على أنّ الله لا يشاء إخراج أهل الجنة منها. وأيّاً ما كان فهم إذا أدخلوا الجنّة كانوا خالدين فيها فلا ينقطع عنهم نعيمها. وهو معنى قوله: {عطاء غير مجذوذ}.