تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

وبعد أن بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة ، وذكَرَ وعْدَهم ووعيدَهم ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بالاستقامة ، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل والأخلاق الفاضلة ، فقال .

{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

ما دام هذا حالُ الأمم التي جاءها كتاب من الله فاختلفت فيه وخرجت عليه ، فاستِقم أنت يا محمد ، ومن معك من المؤمنين ولا تتجاوزوا حدودَ الاعتدال ، إنه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة ، وأطنب سبحانه في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره صلى الله عليه وسلم بوحي أخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد ، والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهم المستقيم وهو المتوسط بين الافراط والتفريط وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق فتشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين والأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك ، وقد قالوا : إن التوسط بين الافراط والتفريط بحيث لا يكون ميل إلى أحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى ونفى الحول والقوة بالكلية ، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بخط يكون بين الشمس والظل لس بشمس ولا ظل بل هو أمر فاصل بينهما ولعمري إن ذلك لدقيق ، ولهذا قالوا : لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية ثم عصم بالتشبث بالحق { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً } [ الإسراء : 74 ] وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد م السيف إشارة إلى هذا المنهج المتوسط . ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية صلى الله عليه وسلم : «شمروا شمروا » وما رؤى بعدها ضاحكاً .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ؤشد من هذه الآية ولا أشق ، وأستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله صلى الله عليه وسلم : «شيبتني هود » وأنت تعلم أن الأخبار متضافرة بضم سور أخرى إليها وإن اختلفت في تعيين المضموم كما مر أول السوءة ، وحينئذ لا يخفى ما في الاستدلال من الخفاء ، ومن هنا قال صاحب الكشف : التخصيص بهود لهذه الآية غير لائح إذ ليس في الأخوات ذكر الاستقامة .

وذكر في قوت القلوب أنه لما كان القريب الحبيب صلى الله عليه وسلم شيبه ذكر البعد وأهله ثم قال : ولعل الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام شبيه ذكر أهوال القيامة ، وكأنه بأبي هو أمي شاهد منه يوماً يجعل الوالدان شيباً انتهى .

وبعضهم استدل للتخصيص برؤيا أبي علي الشترى السابقة وفيه بعد تسليم صحة الرواية إن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت حقاً حيث أن الشيظان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام إلا أنه من أين يجزم بضبط الرائي وتحقيقه ما رأى على أن مما يوهن أمر هذه الرؤيا ويقوي ظن عدم ثبوتها ما أخرجه ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبلي » وذكر الشهاب ما يقوي اعتراض صاحب الكشف من أنه ليس في الطرق المروية في هذا الباب الاقتصار على هود بل ذكر معها أخواتها وليس فيها الأمر المذكور مع أنه وقع في غيرها من آل حميم ، ثم ذكر أنه لاح له ما يدفع الاشكال ؛ وذلك أن مبنى هذه السورة الكريمة على إشارة تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها وإلى ما يعتري من تصدي لهذه المرتبة السنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد لا على التسلية إذ لا يطابق المقام حسبما تقدم لك عن صاحب الكشف ، ولما كانت هذه السورة جامعة لارشاده من أول أمره إلى آخره وهذه الآية فذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد وخاف من عدم القيام بأعبائها حتى إذا لقى الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسه نصب من السؤال عنها فذكر القيامة في تلك السور يخوفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله تعالى له في هذه ، وهذا لا ينافي عصمته عليه الصلاة والسلام وقربه لكونه الأعلم بالله تعالى والأخوف منه ، فالخوف منها يذكره بما تضمنته هذه السورة فكأنها هي المشيبة صلى الله عليه وسلم من بينها ولذا بدأ بها في جميع الروايات ، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة فلا منافاة بين نسبة التشييب لتلك السور ولا لهذه السورة وحدها كما فعله من فعله ولا لتلك الآية كما وقع في تلك الرؤيا انتهى ، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لنسبة التشييب لهذه السورة فليتأمل ، وذهب بعض المحققين إلى كون الكاف في { كَمَا } بمعنى على كما في قولهم : كن كما أنت عليه أي على ما أنت عليه ، ومن هنا قال ابن عطية . وجماعة : المعنى استقم على القرآن ، وقال مقاتل : امض على التوحيد ، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه : استقم على الأخبار عن الله تعالى بصحة العزم ، والأظهر إبقا ما على العموم أي استقم على جميع ما أمرتبه ، والكلام في حذف مثل هذا الضمير أمر ائع ، وقد مر التنبيه عليه ، ومال بعضهم إلى كون الكاف للتشبيه حسبما هو الظاهر منها إلا أنه قال : إنها في حكم مثل في قولهم : مثلك لا يبخل فكأنه قيل : استقم الاستقامة التي أمرت بها فراراً من تشبيه الشيء بنفسه ، ولا يخفى أنه ليس بلازم ، ومن الغريب ما نقل عن أبي حيان أنه قال في تذكرته : فإن قلت : كيف جاء هذا التشبيه للاستقامة بالأمر ؟ قلت : هو على حذف مضاف تقديره مثل مطلوب الأمر أي مدلوله ، فإن قلت : الاستقامة المأمور بها هي مطلوب الأمر فكيف يكون مثلا لها ؟ قلت ملوب الأمر كلى والمأمور جزئي فحصلت المغايرة وصح التشبيه كقولك : صل ركعتين كما أمرت ، وأبعد بعضهم فجعل الكاف بمعنى على واستفعل للطلب كاستغفر الله تعالى أي اطلب الغفران منه ، وقال : المعنى اطلب الإقامة على الدين .

{ وَمَن تَابَ مَعَكَ } أي تاب من الشرك وآمن معك فالمعية باعتبار اللازم من غير نظر إلى ما تقدمه وغيره ، وقد يقال : يكفي الاشتراك في التوبة والمعية فيها مع قطع النظر عن المثوب عنه ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله تعالى في اليوم أكثر من سبعين مرة ، واستظهر ذلك الجلبي ، و { مِنْ } على ما اختاره أبو حيان . وجماعة عطف على الضمير المستكن في { واستقم } وأغني الفصل بالجار والمجرور عن تأكيده بضمير منفصل لحصول الغرض به ، وفي الكلام تغليب لحكم الخطاب على الغيبة في لفظ الأمر ، واختار كثير أنه فاعل لفعل محذوف أي وليستقم من الخ لأن الأمر لا يرفع الظاهر ، وحينئذ فالجملة معطوفة على الجملة الأولى ، ومن ذهب إلى الأول رجحه بعدم احتياجه إلى التقدير ودفع المحذور بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع .

وجوز أبو البقاء كونه منصوباً على أنه مفعول معه ، والمعنى استقم مصاحباً لمن تاب ، قيل : وهو في المعنى أتم وإن كان في اللفظ نوع نبوة عنه .

وقيل : إنه مبتدأ والخبر محذوف أي فليستقم ، وجوز كون الخبر { مَعَكَ } { وَلاَ تَطْغَوْاْ } أي ر تنحرفوا عما حدّ لكم بافراط أو تفريط فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم ، وسمي ذلك طغياناً وهو مجاوزة الحدّ تغليظاً أو تغليباً لحال سائر المؤمنين على حاله صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس أن المعنى لا تطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم تأمروا به .

وقال ابن زيد : لا تعصوا ربكم ، وقال مقاتل : لا تخلطوا التوحيد بالشرك ، ولعل الأول أولى .

{ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على ذلك وهو تعليل للأمر والنهي السابقين كأنه قيل : استقيموا ولا تطغوا لأن الله تعالى ناظر لأعمالكم فيجازيكم عليها ، وقيل : إنه تتميم للأمر بالاستقامة ، والأول أحسن وأتم فائدة ، وقرأ الحسن . والأعمس يعملون بياء الغيبة ، وروي ذلك عن عيسى الثقفي أيضاً ، وفي الآية على ما قال غير واحد دليل على وجوب اتباع المنصوص عليه من غير انحراف بمجرد التشهي وإعمال العقل الصرف فإن ذلك طغيان وضلال ، وأما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص فذلك من باب الاستقامة كما أمر على موجب النصوص الآمرة بالاجتهاد ، وقل الإمام : وعند لا يجوز تخصيص النص بالقياس لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله تعالى : { فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } والعمل بالقياس انحراف عنه ، ولذا لما ورد القرآن بالامر بالوضوء وجيء بالاعضاء مرتبة في اللفظ وجب الترتيب فيها ، ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل .

والبقر من البقر وجب اعتبارها ، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به كل ذلك للأمر بالاستقامة كما أمر انتهى .

وأنت تعلم أن إيجاب الترتيب في الوضوء لذلك ليس بشيء ويلزمه أن يوجب الترتيب في الأوامر المتعاطفة بالواو مثل { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ البقرة : 43 ] وكذا في نحو { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] بعين ما ذكر في الوضوء وهو كما ترى ، وكأنه عفا الله تعالى عنه يجزم بأن الحنفية الذين لا يوجبون الترتيب في أعمال الوضوء طاغون خارجون عما حد الله تعالى احتمال للقول بأنهم مستقيمون وهو من الظلم بمكان .

( ومن باب الإشارة ) :{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } أي في القيام بحقوق الحق والخلق وذلك بالمحافظة على حقوقه تعالى والتعظيم لأمره والتسديد لخلقه مع شهود الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة من غير إخلال ما بشرط من شرائط التعظيم { وَمَن تَابَ } عن انيته وذنب وجوده { معك } من المؤمنين الموحدين إلى مقام البقاء بعد الفناء ، وقيل : إن الاستقامة المأمور بها صلى الله عليه وسلم فوق الاستقامة المأمور بها من معه عليه الصلاة والسلام والعطف لا يقتضي أكثر من المشاركة في مطلق الفعل كما يرشد إليه قوله تعالى مطلق الفعل كما يرشد إليه قوله تعالى : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] على قول ، ومن هنا قال الجنيد قدس سره : الاستقامة مع الخوف والرجاء حال العابدين . والاستقامة مع الهيبة والرجاء حال المقربين . والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال العارفين { وَلاَ تَطْغَوْاْ } [ هود : 112 ] ولا تخرجوا عما حدّ لكم من الشريعة فإن الخروج عنها زندقة

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فاستقم} أنت، يا محمد، على أمر ربك والدين الذي ابتعثك به والدعاء إليه، كما أمرك ربك. {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ}، يقول: ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره. {وَلا تَطْغَوْا}، يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه.

{إنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، يقول: إن ربكم، أيها الناس، بما تعملون من الأعمال كلها طاعتها ومعصيتها بصير ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصر، يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله أيها الناس أن يطلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يستقيموا كما أمرهم الله، وكذلك من رجع إلى الله... "ولا تطغوا "يعني في الاستقامة، فيخرجوا عن حدها بالزيادة على ما أمرهم فرضا كان أو نفلا. وقيل: معناه لا تطغينكم النعمة، فتخرجوا من الاستقامة. والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وأن لا يعدل يمينا وشمالا. والطغيان: تجاوز المقدار في الفساد. والطاغي كالباغي في صفة الذم، وطغى الماء مشبه بحال الطاغي، وإنما خص من تاب دون من أسلم من أول حاله للتغليب في الأكثر ويدخل فيه الأقل على وجه التبع. وقوله: "انه بما تعملون بصير" إخبار منه تعالى أنه عالم بأعمالهم لا يخفى عليه شيء منها...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

وحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقِّها من غير إخلالٍ بها، فلا يكون في سلوك نهج الوِفاقِ انحرافٌ عنه. ويقال المستقيمُ مَنْ لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه، ويتابع في ترك هواه. ويقال استقامة النفوس في نفي الزَّلَّة، واستقامة القلوب في نفي الغفلة، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة. استقامة العابدين ألا يدخروا نفوسَهم عن العبادة وألا يُخِلُّوا بأدائها، ويقضون عسيرَها ويسيرَها. واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا كثيرها. واستقامة التائبين ألا يُلِمُّوا بعقوة زلة فَيَدَعونَ صغيرَها وكبيرَها... وعلى هذا النحو استقامة كلِّ أحدٍ. قوله {وَمَن تَابَ مَعَكَ}: أي فَلْيَستَقِمْ أيضاً مَنْ معك.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

أمر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس به. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر، ولسائر أمته بالمعنى...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله: {فاستقم كما أمرت} وهذه الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدا، وأنا أضرب لذلك مثالا يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه.

إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية؛

فأولها: معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصونا في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضا فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفَا إفراط وتفريط وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: « شيبتني هود وأخواتها،»...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك. وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا بد منه {فاستقم} أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب أنك لا تكلف إلاّ نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء، ومن استقام استقيم له. ولما كان من المقطوع به أن الآمر له صلى الله عليه وسلم مَن له الأمر كله، بني للمفعول قوله: {كمآ أمرت} أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلاً بين الإفراط والتفريط ولا يضيق صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب ما نعلم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فاستقم كما أمرت} أي إذا كان أمر أولئك الأمم كما قصصنا عليك أيها الرسول فاستقم مثل ما أمرناك في هذا الكتاب، أي الزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه بالثبات عليه، واتقاء الاختلاف فيه.

{ومن تاب معك} أي وليستقم معك من تاب من الشرك وآمن بك واتبعك {ولا تطغوا} فيه بتجاوز حدوده غلوا في الدين، فإن الإفراط فيه كالتفريط، كل منهما زيغ عن الصراط المستقيم، وهو يدل على وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية وهي العقائد والعبادات وعلى اجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها.

{إنه بما تعملون بصير} أي إنه تعالى بصير بعملكم، يبصر به، ويراه وحيط به علما، فيجزيكم به. يقال: بصر بالشيء في اللغة الفصحى ومنه {فبصرت به عن جنب} [القصص: 11]...

هذا وإن مقام الاستقامة لأعلى المقامات، يرتقى به لأعلى الدرجات، كما يدل عليه هذا الأمر به للرسول صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين، ولموسى وهارون عليهما السلام في قوله {قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} [يونس: 89]، وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا} [فصلت: 30] الآيات. وروى مسلم عن سفيان الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال (قل آمنت بالله ثم استقم)، فالاستقامة عين الكرامة كما قالوا...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ذلك البيان مع هذا التوكيد يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي و عيده. وإذن فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم -كما أمروا- لا يغلون في الدين ولا يزيدون فيه، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم، ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق. ثم يتزودون بزاد الطريق، ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد...

(فاستقم كما أمرت).. أحس -عليه الصلاة والسلام- برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيرا إليه:"شيبتني هود...".

فالاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف. وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلا أو كثيرا.. ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة. وإنه لمما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهيا عن القصور والتقصير، إنما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة.. وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر. والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير. وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة، لإمساك النفوس على الصراط، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء.. (إنه بما تعملون بصير).. والبصر -من البصيرة- مناسب في هذا الموضع، الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير.. فاستقم -أيها الرسول- كما أمرت. ومن تاب معك ...

...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ترتب عن التسلية التي تضمّنها قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} [هود: 110] وعن التثبيت المفاد بقوله: {فلا تك في مرية ممّا يَعبد هؤلاء} [هود: 109] الحضّ على الدّوام على التمسك بالإسلام على وجه قويم. وعبّر عن ذلك بالاستقامة لإفادة الدّوام على العمل بتعاليم الإسلام، دواماً جماعهُ الاستقامة عليه والحذر من تغييره...

ولمّا كان الاختلاف في كتاب موسى عليه السّلام إنّما جاء من أهل الكتاب عطف على أمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على كتابه أمرُ المؤمنين بتلك الاستقامة أيضاً، لأنّ الاعوجاج من دواعي الاختلاف في الكتاب بنهوض فرق من الأمة إلى تبديله لمجاراة أهوائهم، ولأنّ مخالفة الأمّة عمداً إلى أحكام كتابها إن هو إلاّ ضرب من ضروب الاختلاف فيه، لأنّه اختلافها على أحكامه...

{ولا تطغوا} موجه إلى المؤمنين الذين صدق عليهم {ومن تاب معك}. والطغيان أصله التّعاظم والجراءة وقلة الاكتراث، وتقدّم في قوله تعالى: {ويمدُّهم في طغيانهم يعمهون} في سورة [البقرة: 15]. والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به، قال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي} [طه: 81]. فنهى الله المسلمين عن مخالفة أحكام كتابه كما نهى بني إسرائيل. وقد شمل الطغيان أصول المفاسد، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودَرْء المفاسد، فكان النهي عنه جامعاً لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما يخشى عليه من عدوى فساد خليطه فهو المنهى عنه بقوله بعد هذا: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار} [هود: 113]. وعن الحسن البصري: جعل الله الدّين بين لاءَيْن {ولا تطغوا} {ولا تركنوا} [هود: 113]...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

.. وهكذا يريد الله للمسيرة الجديدة ألاّ تنحرف كما انحرف أتباع الرسالات السابقة، بل أراد أن تسير في خطها المستقيم الذي رسمه الله للناس على صعيد الفكر أو العمل أو الموقف أو العلاقات، فلا يتجاوزونه إلى غيره، ولا يبتعدون فيه إلى الحد الذي ينفصلون به عن القاعدة الثابتة. وهذا ما أكّده الله في أكثر من آية حين اعتبر الاستقامة أساساً للشخصية الإسلامية، كما أنها التزام بتوحيد لله في القاعدة، ثم هي استقامةٌ على هذا الخط في كل شيء، فكل الحياة في مناهجها وأساليبها وعلاقاتها ترتبط به، لأن الفكر والعمل، يتحركان بين خط الشرك وبين خط التوحيد، فلا مجال أمام الإنسان سوى اختيار أحدهما، فمن انحرف عن خط التوحيد وجد نفسه في خط الشرك، ولذلك كانت الاستقامة لا تعني للإنسان المسلم شيئاً آخر سوى الالتزام بخط التوحيد في حركة الفكر والعمل...

ولعلّ في هذا الأمر الموجّه للنبي وللمؤمنين معاً، إيحاءً بأن النبي لا يختلف عن المؤمنين في المسؤوليات التفصيلية لخط السير، لأنه يتحرك في حياته، بصفته المسلم الأوّل الذي لا بد أن يطبّق الإسلام على نفسه، قبل أن يدعو إليه، ليكون الداعية بالقدوة، قبل أن يكون الداعية بالكلمة، وبهذا يمكننا استيحاء الردّ على الذين يفرضون للنبيّ تكليفاً غامضاً يختلف عن تكليف بقية المسلمين، فيرون أننا لا نستطيع اعتبار أيّ عمل يقوم به، لا سيما في خط الجهاد، لأنه أعرف بتكليفه الشرعي الذي قد لا نعرفه. إننا نستوحي من هذه الآيات وغيرها، أنّ الله يخاطبه كما يخاطب غيره، لأنه مسؤول عما هم مسؤولون عنه، إلا أنه يختلف عنهم بصفة القيادة الرسالية والحاكمية، التي تجعل مسؤولياته أكثر ثقلاً من مسؤولياتهم، ولكنها لا تبتعد عن الخطوط العامة للتشريع في مجال الدعوة والحكم، ولولا ذلك لما كان هناك معنى للقدوة التي ترى في سلوكه شريعةً، كما هي الكلمة منه شريعةٌ ورسالة. حذار الخلط بين الكفر والإسلام وهذا ما نريد أن نثيره في حركة العاملين في سبيل الله، في خط الدعوة إليه، أو الجهاد ضد الكفر أو الانحراف، وذلك أن يلتزموا خط الاستقامة في الفكر، أمام عوامل الانحراف المتنوّعة التي تحاول أن تتجه بالفكر الإسلامي، إلى خطوط كافرة أو قريبة من خط الكفر، تحت واجهات غائمة لا تملك من عناصر الأصالة والوضوح الشيء الكثير، بل تثير بدلاً من ذلك الكثير من الشكوك والشبهات التي تخضع لكثير من أساليب الالتواء والانحراف، وذلك في ما يحاول العابثون من الخلط بين الكفر والإسلام، في مزيج من الأفكار التي تحمل مضمون الكفر في إطار الإسلام. إنَّ عليهم الانتباه إلى ذلك بدقّة وحذر، لئلا ينحرفوا من حيث يريدون الاستقامة، فيعطوا الانحراف قداسة الإسلام. وهذا ما وقع فيه بعض العاملين تحت تأثير المتغيرات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها على الساحة الإسلامية بدخول بعض التيارات الكافرة والمنحرفة في حركة الواقع، حيث كان لتلك التيارات تأثير على فكر العاملين وطريقتهم في فهم الواقع والتحرك معه، فأحدث ارتباكاً وتعقيداً في حركتهم، وأدخل بعض المفاهيم الكافرة، في صلب منظومة المفاهيم الإسلامية...

الانسجام بين الفكر والأسلوب: وكما هو الحال في خط الفكر ومضمونه، لا بد من التزام خط الاستقامة في المنهج والأسلوب، باعتماد الأحكام الشرعية في أسلوب العمل، ومنهج التحرك، لأنه من الممكن أن يتأثر العاملون بأساليب العمل، ومناهج تفكير التحرك التي يستخدمها الكافرون والضالون في مساعيهم للسيطرة على الواقع عملياً، ومقدرتهم بفضل ذلك على إخضاع الأجواء لأساليبهم ونهجهم في العمل. وهذا ما يفرض على القيادات الفاعلة أن تخطط للتحرك بطريقة تحقق الانسجام بين الفكر والأسلوب، ليعينوا العاملين على معرفة الخط المستقيم في الوسائل، كما يعرفون الخط المستقيم في الغايات، لأن الجهل يدفع الناس إلى الضلال باسم الهدى فيتجاوزون الخطوط المرسومة لهم من قبل الله الذي يراقبهم في معاناتهم في سبيل المعرفة والممارسة، أو تقصيرهم فيه، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يخفى عليه شيء من سرّهم وعلانيتهم، ولا حجة لهم في تبرير ما يعملون أمامه كما يفعلون أمام الآخرين الذين يجهلون واقع الأمور، وحقائق الأشياء...