تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} (44)

أضغاث أحلام : أحلام مضطربة يصعب تأويلها ، والضغثُ جمعه أضغاث : الحزمة من النبات أو من كل شيء .

قالوا :

هذه أحلام مضطربة أيها الملك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} (44)

{ قَالُوا } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الملأ للملك إذ قال لهم ذلك ؟ فقيل : قالوا : هي { أَضْغَاثُ أَحْلاَم } أي هي أضغاث الخ ، وهي جمع ضغث وهو أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من أخلاط النبات ، وقد يطلق على ما كان من جنس واحد كما في قوله :

خود كأن فراشها وضعت به *** أضغاث ريحان غداة شمال

وجعل من ذلك ما في قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به } [ ص : 44 ] فقد روي أن أيوب عليه السلام أخذ عثكالاً من النخل فضرب به . وفي «الكشاف » ( ( أن أضغاث الأحلام تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان ، وقد استعيرت لذلك ، وأصلها ما جمع من أخلاط النبات وحزم وإضافتها على معنى نم أي أضغاث من أحلام ) ) وأورد عليه أن الأضغاث إذا استعيرت للأحلام الباطلة والأحلام مذكورة ، ولفظ هي المقدر عبارة عن رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار والمستعار له ، وذلك مانع ن الاستعارة على الصحيح عندهم ، وقد أجاب الكثير عن ذلك بما لا يخلو عن بحث . وذكر بعض المحققين في تقرير ذاك وجهين : الأول : أنه يريد أن حقيقة الأضغاث أخلاط النبات فشبه به التخاليط والأباطيل مطلقاً سواء كانت أحلاماً أم غيرها ، ويشهد له قول «الصحاح » و «الأساس » : ضغث الحديث خلطه ، ثم أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات والأباطيل الملفقات ، فالأحلام ورؤيا الملك خارجان عنهما فلا يضر ذكرهما كما إذا قلت : رايت أسد قريش فهو قرينة أو تجريد ، وقوله : تخاليطها تفسير له بعد التخصيص ، وقوله : وقد استعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط . الثاني : أن الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهي أجزاؤها لا عينها فالمستعار منه حزم النبات والمستعار له أجزاء الرؤيا ، وهذا كما إذا استعرت الورد للخد ، ثم قلت : شممت ورد هند مثلاً فإنه لا يقال : إنه ذكر فيه الطرفان اه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف وارتكاب غير الظاهر . واستظهر بعضهم كون { أضغاث أحلام } من قبيل لجين الماء ، ولا يخفى أنه سالم عما أورد على الزمخشري( {[383]} ) إلا أن صاحب «الأساس » قد صرح بأن ذلك من المجاز ، والمتبادر منه المجاز المتعارف الذي لا يطلق على ما ذكر ، ولعل الأمر في ذلك سهل .

والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع ، وقال بعضهم : الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم مطلقاً لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن ، وغلب الحلم على خلافه ، وفي الحديث «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان » وقال التوربشتي : الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع صلى الله عليه وسلم للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر والبصيرة ، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأن أصل / الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له اه وهو كلام حسن .

ومما يشهد له في دعوى كون الحلم يستعمل عند العرب استعمال الرؤيا البيت السابق الذي أنشده المبرد كما لا يخفى . وإنما قالوا { أضغاث أحلام } بالجمع مع أن الرؤيا ما كانت إلا واحدة للمبالغة في وصف ذلك بالبطلان ، وهذا كما يقال : فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة .

وفي «الفرائد » لما كانت { أضغاث أحلام } مستعارة لما ذكر وهي تخاليطها وأباطيلها وهي متحققة في رؤيا واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء كل منها حلم فكانت أحلاماً ، قال الشهاب : وهو واه وإن استحسنه العلامة الطيبي ، نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس إذ الإضافة على معنى في ، ثم نقل عن الرضي أنه قال في «شرح الشافية » إن جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلا حيث يراد بيان القلة فلا يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة ، يقال : فلان حسن الثياب في معنى حسن الثوب ولا يحسن حسن الثوب وكم عندك من الثوب أو من الثياب ولا يحسن من الأثواب اه ، ثم قال : وقد ذكره الشريف في «شرح المفتاح » وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمله ، ولعل ما ذكر بعد تسليمه إنما هو في جمع القلة الذي معه جمع كثرة كما ذكره في المثال لا في ذلك وجمع القلة الذي ليس معه جمع كثرة كماهنا ، فإنا لم نجد في «كتب اللغة » جمعاً لمفرد هذا الجمع غير هذا الجمع ، وقد ذكر غير واحد أن جمع القلة إذا لم يوجد معه جمع كثرة يستعمل استعمال جمع الكثرة ، ثم لا يخفى حسن موقع الأضغاث مع السنابل ، فيالله در شأن التننزيل ما أبدع رياض بلاغته .

{ وَمَا نَحْنُ بتَأْويل الأَحْلاَم } أي المنامات الباطلة { بعَالمينَ } لأنها لا تأويل لها وإنما التأويل للمنامات الصادقة ، وهذا إما لشيوع الأحلام في أباطيلها وإما لكون اللام للعهد والمعهود الأضغاث منها ، والكلام وارد على أسلوب :

على لا حب لا يهتدى بمناره رضي الله عنه *** وهو إشارة إلى كبرى قياس ساقوه للعذر عن جهلهم كأنهم قالوا هذه رؤيا باطلة وكل رؤيا كذلك لا نعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه ينتج هذه رؤيا لا تأويل لها .

وجوز أن يكون المراد من الأحلام الرؤى( {[384]} ) مطلقاً ، وأل فيه للجنس ، والكلام اعتراف منهم بقصور علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الرؤى مع أن لها تأويلاً ، واختاره ابن المنير وادعى أنه الظاهر( {[385]} ) ، وأن قول الملك لهم أولاً { إن كنتم للرؤيا تعبرون } [ يوسف : 43 ] دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة الشك فجاء اعترافهم بالقصور مطابقاً لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين ، وأن قول الفتى : { أنا أنبئكم بتأويله } [ يوسف : 45 ] إلى قوله : { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } [ يوسف : 46 ] دليل على ذلك أيضاً .

وذكر بعض المحققين أنه يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعربة عن مجرد الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبئ عن التصرف ، والتكلف في ذلك لما بين الآيل والمآل من البعد . واعترض بأنه على هذا يبقى قولهم : { أضغاث أحلام } ضائعاً إذ لا دخل له في العذر ، وأجيب بأنه يمكن أن يكون المقصود منه إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا فلا يبقى ضائعاً .

وقال صاحب «الكشف » : إن وجه ذلك أن يجعل الأول جواباً مستقلاً والثاني كذلك أي ههنا أمران : أحدهما من جانب الرائي والثاني من جانب المعبر ، ووجه تقديم الظرف علىعامله أنا أصحاب الآراء والتدابير / وعلمنا بذلك رصين لا بتأويل الرؤى ، ووجهه على الأول ظاهر ، وادعى أن المقام يطابقه ، ووروده على ذلك الأسلوب مقوله لا موهن خلافاً لما في «الانتصاف » ويقوى عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائه وأهل مشورته من أهل الحل والعقد لأن الأغلب على أمثالهم الجهل بمثل هذا العلم الذي لا يعلمه إلا أفراد من الناس .


[383]:- لا يخفى أن صاحب الأساس قد يطلق المجاز على غير ما هو المتعارف فافهم اهـ منه.
[384]:- هي جمع رؤيا.
[385]:- وكذا ادعى أبو حيان في البحر اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} (44)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ف {قالوا أضغاث أحلام}، يعني: أحلام مختلطة كاذبة، ثم علموا أن لها تعبيرا، وأنها ليست من الأحلام المختلطة، فمن ثم قالوا: {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه أضغاث أحلام يعنون أنها أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها. وهي جمع ضِغْث، والضّغْث: أصله الحُزْمة من الحشيش، يُشَبّهُ بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها. والأحلام جمع حُلْم، وهو ما لم يصدقُ من الرؤيا...

عن ابن عباس، قوله:"أضْغاثُ أحْلامٍ" يقول: مشتبهة... أحْلامٍ كاذبة...

وقوله: "وَما نَحْنُ بتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ "يقول: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمِين...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(أضغاث أحلام) قال بعضهم: أباطيل أحلام كاذبة، وقال بعضهم: أخلاط أحلام كاذبة مثل أضغاث النبات تجمع، فيكون فيها ضروب مختلفة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

... {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}: مَنْ طلَبَ الشيءَ مِنْ غيرِ موضِعه لم يَنَلْ مطلوبه، ولم يَسْعَد بمقصوده.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أضغاث أَحْلاَمٍ}: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان. وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى «من» أي أضغاث من أحلام والمعنى: هي أضغاث أحلام. فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا: أضغاث أحلام فجمعوا؟ قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة، تزيدا في الوصف، فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام... {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين} إما أن يريدوا بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«الضغث» في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد، وربما كان من أخلاط النبات...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} أي أخلاط، جمع ضغث -بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس {أحلام} مختلفة مختلطة مشتبهة، جمع حلم- بضم الحاء وإسكان اللام وضمه، وهو الرؤيا -فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً- لكونه من حديث النفس أو وسوسة الشيطان، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها، لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس؛ ثم قالوا: {وما نحن} أي بأجمعنا {بتأويل} أي ترجيع {الأحلام} أي مطلق الأضغاث وغيرها، وأعرقوا في النفي بقولهم: {بعالمين} فدلسوا من غير وجه، جمعوا -وهي حلم واحد- ليجعلوها أضغاثاً لا مدلول لها، ونفوا عن أنفسهم العلم المطلق المستلزم لنفي العلم بالمقيد بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة، ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثاً...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء -قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا. ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول:"أنا لها أنا لها" فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

طلب الملك تأويل رؤياه، فعجز الملأ من حاشيته ومن الكهنة عن تأويلها، أو أحسوا أنها تشير إلى سوء لم يريدوا أن يواجهوا به الملك على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الحكام وإخفاء ما يزعجهم. وصرف الحديث عنه! فقالوا: إنها (أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام مضطربة وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل. (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).. إذا كانت أضغاثا مختلطة لا تشير إلى شيء! والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث: رؤيا يوسف، ورؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك. وطلب تأويلها في كل مرة، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر -كما أسلفنا- وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه، على ما نعهد في معجزات الأنبياء...