الأنعام : الإبل والبقر والمعز والغنم .
الدفء : ما يدفئ الإنسان من ثياب وغيرها .
المنافع : ما يفيد الإنسان منها من ركوب وحرث ولبن .
وقد تفضَّل اللهُ عليكم بأن خَلَقَ لكم الإبلَ والبقرَ والغنمَ والمَعز لتتّخِذوا من أصوافها وأوبارِها وأشعارِها وجلودها ما تحتاجون إليه في حياتكم ، وتشربون من ألبانِها ، وتأكلون من لحومها .
{ وَالأنْعَامَ } وهي الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز ، قال الراغب : ولا يقال أنعام إلا إذا كان فيها إبل ، وخصها بعضهم هنا بذلك وليس بشيء ، والنصب على المفعولية لفعل مضمر يفسره قوله تعالى : { خَلَقَهَا } وهو أرجح من الرفع في مثل هذا الموضع لتقدم الفعلية وقرىء به في الشواذ أو على العطف على { الإنسان } [ النحل : 4 ] وما / بعد بيان ما خلق لأجله والذي بعده تفصيل لذلك ، وقوله سبحانه : { لَكُمْ } إما متعلق - بخلقها - وقوله تعالى : { فيها } خبر مقدم وقوله جل وعلا : { دفءٌ } مبتدأ مؤخر والجملة حال من المفعول أو الجار والمجرور الأول خبر للمبتدأ المذكور والثاني متعلق بما فيه من معنى الاستقرار ، وقيل : حال من الضمير المستكن فيه العائد على المبتدأ ، وقيل : حال من { دفء } إذ لو تأخر لكان صفة ، وجوز أبو البقاء أن يكون الثاني هو الخبر والأول في موضع الحال من مبتدئه ، وتعقبه أبو حيان بأن هذا لا يجوز لأن الحال إذا كان العامل فيها معنى لا يجوز تقديمها على الجملة بأسرها فلا يجوز قائماً في الدار زيد فإن تأخرت الحال عن الجملة جازت بلا خلاف وإن توسطت فالأخفش على الجواز والجمهور على المنع ، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يرتفع { دفء } - بلكم - أو - بفيها - والجملة كلها حال من الضمير المنصوب ، وتعقبه أبو حيان أيضاً بأن ذلك لا يعد من قبيل الجملة بل هو من قبيل المفرد ، ونقل أنهم جوزوا أن يكون { لكم } متعلقاً - بخلقها - وجملة { فيها دفء } استئناف لذكر منافع الأنعام ، واستظهر كون جملة { لكم فيها جمال } فقابل سبحانه المنفعة الضرورية بالمنفعة الغير الضرورية ، وإلى نحو ذلك ذهب القطب فاختار أن الكلام قد تم عند { خلقها } لهذا العطف وخالفه في ذلك صاحب «الكشف » فقال : إن قوله تعالى : { خلقها لكم } بناء على تفسير الزمخشري له بقوله : ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان طرف من ترشيح المعنى الثاني في قوله سبحانه : { فإذا هو خصيم مبين } [ النحل : 4 ] لما في الالتفات المشار إليه من الدلالة عليه ، وأما الحصر المشار إليه بقوله : ما خلقها إلا لكم فمن اللام المفيدة للاختصاصسيما وقد نوع الخطاب بما يفيد زيادة التمييز والاختصاص ، وهذا أولى من جعل { لكم فيها دفء } مقابل { لكم فيها جمال } [ النحل : 6 ] لإفادته المعنى الثاني وأبلغ على أنه يكون { فيها دفء } تفصيلاً للأول وكرر { لكم } في الثاني لبعد العهد وزيادة التقريع اه ، والحق في دعوى أولوية تعلق { لكم } بما قبله معه كما لا يخفى .
والدفْ اسم لما يدفأ به أي يسخن ، وتقول العرب دقىء يومنا فهو دفىء إذا حصلت فيه سخونه ودفىء الرجل دفاء ودفاء بالفتح والكسر ورجل دفآن وامرأة دفأى ويجمع الدفء على إدفاء ، والمراد به ما يعم اللباس والبيت الذي يتخذ من أوبارها وأصوافها ، وفسره ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير وغيره بالثياب .
وأخرج عبد الرزاق وغيره عنه رضي الله تعالى عنه أيضاً أنه نسل كل دابة ، ونقله الأموي عن لغة بعض العرب والظاهر هو الأول . وقرأ الزهري وأبو جعفر { دفء } بضم الفاء وشدها وتنوينها ، ووجه ذلك في «البحر » بأنه نقل الحركة من الهمزة إلى الفاء وحذفت ثم شدد الفاء إجراء للوصول مجرى الوقف إذ يجوز تشديدها في الوقف . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { دفء } بنقل الحركة والحذف دون تشديد ، وفي «اللوامح » : قرأ الزهري { دفء } بضم الفاء من غير همزة وهي محركة بحركتها ، ومنهم من يعوض عن هذه الهمزة فيشدد الفاء وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفا . واعترض بأن التشديد وقفا لغة مستقلة وإن لم يكن ثمة حذف من الكلمة الموقوف عليها ودفع بأنه إنما يكون ذلك إذا وقف على آخر حرف منها أما إذا وقف على ما قبل الآخر منها كقاض فلا .
{ وَمَنَافع } هي درها وركوبها والحراثة بها والنضح عليها وغير ذلك ، وإنما عبر عنها بها ليشمل الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم ، وقدم الدفء رعاية لأسلوب الترقي إلى الأعلى { وَمنْهَا تَأْكُلُونَ } أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم ونحو ذلك - فمن - تبعيضية ، والأكل إما على معناه المتبادر وإما بمعنى التناول / الشامل للشرب فيدخل في العد الألبان ، وجوز أن تكون { من } ابتدائية وأن تكون للتبعيض مجازاً أو سببية أي تأكلون ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة تكتسب باكتراء الإبل مثلاً وأثمان نتاجها وألبانها وجلودها والأول أظهر وأدخل ما يحصل من من اكترائها من الإجارة التي يتوصل بها إلى مصالح كثيرة في المنافع ، وتغيير النظم الجليل قيل للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق واللاحق فإن الدفء والمنافع التي أشرنا إليها والجمال يحصل منها وهي باقية على حالها ولذلك جعلت محال لها بخلاف الأكل ، وتقديم الظرف للحصر على معنى أن الأكل منها هو المعتاد المعتمد في المعاش من بين سائر الحيوانات فلا يرد الأكل من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فإنه من قبيل التفكه ، وكذا لا يرد أكل لحم الخيل عند من أباحه لأنه ليس من المعتاد المعتمد أيضاً ، والحاصل أن الحصر إضافي وبذلك لا يرد أيضاً أكل الخبز والبقول ونحوها ، ويضم إلى هذا الوجه في التقديم رعاية الفواصل ، وجعله لمجرد ذلك كما في «الكشف » قصور ، وأبو حيان ينكر كون التقديم مطلقاً للحصر فينحصر وجهه هنا حينئذ في الرعاية المذكورة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والأنعام}، يعنى الإبل، والبقر، والغنم، {خلقها لكم فيها دفء}، يعني: ما تستدفئون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا، {ومنافع} في ظهورها، وألبانها، {ومنها تأكلون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
ومن حججه عليكم أيها الناس ما خلق لكم من الأنعام، فسخرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس تدفئون بها، ومنافع من ألبانها، وظهورها تركبونها.
{ومنها تأكلون} يقول: ومن الأنعام ما تأكلون لحمه كالإبل والبقر والغنم وسائر ما يؤكل لحمه. وحذفت "ما "من الكلام لدلالة من عليها.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل قوله: {خلقها لكم} على الظاهر أن خلق هذه الأشياء لنا {فيها دفء ومنافع} كقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} (البقرة: 29) وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات ومال في الأرض جميعا منه} (الجاثية: 13).
ويحتمل قوله: {والأنعام خلقها} أي هو خلقها، ثم أخبر أنها {لكم فيها دفء ومنافع} بذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا مفسرة مبينة واحدة بعد واحدة في هذه السورة وفي غيرها من السور. إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها على ما أشار إليها في هذه السورة ليقوموا بشكره، وليعلموا قدرته على خلق هذه الأشياء لا من الأشياء.
{فيها دفء}... الدفء: ما استدفأت به. ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع التي ذكر ما فسر في آية أخرى، وهو قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} الآية (النحل: 80) جعل الله عز وجل الأنعام وما ذكر وقاية جميع أنواع الأذى من السماوي وغيره مما يهيج من الأنفس من الحر والبرد والجوع وغير ذلك مما يكثر عددها، ويطول أمدها وذكرها.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
الدفء: هو الحر المعتدل الذي يكون في بدن الإنسان من الدثار.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{الأنعام} الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر، كقوله: {والقمر قدرناه} [يس: 39] ويجوز أن يعطف على الإنسان، أي: خلق الإنسان والأنعام، ثم قال: {خَلَقَهَا لَكُمْ} أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان والدفء: اسم ما يدفأ به، كما أنّ الملء اسم ما يملأ به، وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر... {ومنافع} هي نسلها ودرّها وغير ذلك.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما صار التوحيد بذلك كالشمس، وكان كل ما في الكون -مع أنه دال على الوحدانية- نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها، شرع يعدد ذلك تنبيهاً له على وجوب الشكر بالتبرؤ من الكفر، فقال مقدماً الحيوانات لأنها أشرف من غيرها، وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه أجلّ من غيره. مبتدئاً بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلّها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها لمن أنزل الذكر بلسانهم: {والأنعام} أي الأزواج الثمانية: الضأن والمعز والإبل والبقر {خلقها} غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقاً وأشد قوة.
ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس، بدأ به، فقال على طريق الاستئناف: {لكم فيها دفء} أي ما يدفأ به فيكون منه حر معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد، وثنى بما يعم جميع نعمها التي منها اللبن فقال: {ومنافع} ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى: {ومنها تأكلون} وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى الأكل منها مما لا يعتد به.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي بيئة كالبيئة التي نزل فيها القرآن أول مرة، وأشباهها كثير؛ وفي كل بيئة زراعية والبيئات الزراعية هي الغالبة حتى اليوم في العالم.. في هذه البيئة تبرز نعمة الأنعام، التي لا حياة بدونها لبني الإنسان. والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة كانت هي الإبل والبقر والضأن والمعز. أما الخيل والبغال والحمير فللركوب والزينة ولا تؤكل والقرآن إذ يعرض هذه النعمة هنا ينبه إلى ما فيها من تلبية لضرورات البشر وتلبية لأشواقهم كذلك: ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها. ومنها تأكلون لحما ولبنا وسمنا، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
يريد الله للناس أن يلتقوا به من خلال مفردات حياتهم اليومية، حيث تشكل الحيوانات الأليفة بما تتضمنه من منافع للناس على مستوى المأكل والمشرب والملبس والتنقل، جزءاً أساسياً من مفردات تلك الحياة، وحيث يمكنهم أن يتحسسوا فقرهم المطلق لله وحاجتهم المطلقة إليه ويشعرون بالتالي بحضوره الشامل الدقيق في حياتهم، فيزدادون إيماناً به، ويفكرون بالعودة إليه، عندما يغريهم الشيطان بالابتعاد عنه، لأنهم لا يملكون الانفصال عنه، لارتباط حياتهم كلها به. وبهذا يتحول الإحساس بالمادّة، إلى عنصر فاعلٍ في نموّ الجانب الروحي في شخصية الإنسان، لما تتضمنه من عظمة تشير إلى عظمة الله في خلقه، ولما تدل عليه من نعمة تشير إلى رحمة الله، الأمر الذي يجعل من المادة شيئاً روحياً في المعنى والإيحاء، بعد أن كانت شيئاً مادّياً في الشكل والصورة، وبهذا نستطيع أن نحرّك المعاني الروحية في كل مظاهر المادّة في الحياة، كأسلوب تربويّ متوازن، لا يلغي في المادّة خصائصها المادية، في ما يفرضه العلم من وعيٍ للقوانين الطبيعيّة التي تحكمها في وجودها التكويني، ولكنه ينفذ إلى داخل تلك القوانين ليبصر فيها معنى القدرة والحكمة والرحمة والنعمة التي توحي للإنسان بالمعنى الإلهيّ الكامن في سرّ الأشياء.