تقدم الكلام على حسد إبليس لآدم ، وأن العداوة قديمة ومنشؤها الحسد ، ففي سورة البقرة { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين } [ البقرة : 34 ] وكذلك في سورة الأعراف من الآية 11 إلى الآية 18 ، والحسد بلية قديمة ، ومحنة عظيمة للخلق .
وخلاصة هذه الآيات : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تعظيم وتفضيل فسجدوا إلا إبليس ، تكبرّ أن يسجد ، لأن آدم من طين وإبليس من نار .
{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة } تذكير لما جرى منه تعالى من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعة من غير تثبط وتحقيق لمضموم قوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } [ الإسراء : 57 ] الخ ، أما إن كان المراد من الموصول الملائكة فظاهر ، واما إن كان غيرهم فللمقايسة ، وفيه إشارة إلى عاقبة أولئك الذين عاندوا الحق واقترحوا الآيات وكذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنهم داخلون في الذرية الذين احتنكهم إبليس عليه اللعنة واتبعوه اتباع الظل لذويه دخولاً أولياً ومساركون له في العناد أتم مشاركة حتى قالوا : { إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] فوجه مناسبة الآية لما قبلها ظاهر ، وقيل الوجه مشابهة قريش الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم لابليس في أن كلاً منهما حمله الحسد والكبر على ما صدر منه أي واذكر وقت قولنا للملائكة { اسجدوا } تحية وتكريماً له عليه السلام ، وقيل المعنى اجعلواه قبلة سجودكم لله تعالى { لادَمَ فَسَجَدُواْ } من غير تلعثتم امتثالاً لأمره تعالى { إِلاَّ إِبْلِيسَ } لم يكن من الساجدين وكان معدوداً في عدادهم مندرجاً تحت الأمر بالسجود { قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل فما كان منه بعد التخلف ؟ فأجيب بأنه قال أي بعد أن وبخ بما وبخ مما قصه الله سبحانه في غير هذا الموضع على سبيل الإنكار والتعجب { *ءَأَسْجُدُ } وقد خلقتني من نار { لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } نصب على نزع الخافض أي من طين كما صرح به في آية أخرى ، وجوز الزجاج كونه حالا من العائد المحذوف والعامل { خُلِقَتْ } فيكون المعنى أأسجد لمن كان في وقت خلقهحالاً من نفس الموصول والعامل حينئذ { أَءسْجُدُ } على معنى أأسجد له وهو طين أي أصله طين ، قال في الكشف : وهو أبلغ لأنه مؤيد لمعنى الإنكار وفيه تحقير له عليه السلام وحاشاه بجعله نفس ما كان عليه لم تزل عنه تلك الذلة وليس في جعله حالاً من العائد هذه المبالغة ، وأنت تعلم أن الحالية على كل حال خلاف الظاهر لكون الطين جامداً ولذا أوله بعضهم بمتأصلاً ، وجوز الزجاج أيضاً وتبعه ابن عطية كونه تمييزاً ولا يظهر ذلك ، وذكر الخلق مع أنه يكفي في المقصود أن يقال : لمن كان من طين أدخل في المقصود مع أنه فيه على ما فيل إيماء إلى علة أخرى وهي أنه مخلوق والسجود إنما هو للخالق تعالى مجده .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد تمادي هؤلاء المشركين في غيهم وارتدادهم عتوّا على ربهم بتخويفه إياهم تحقيقهم قول عدّوهم وعدوّ والدهم، حين أمره ربه بالسجود له فعصاه وأبى السجود له، حسدا واستكبارا "لَئِنْ أخّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأَحْتَنِكَنّ ذُرّيّتَه إلاّ قَلِيلاً"، وكيف صدّقوا ظنه فيهم، وخالفوا أمر ربهم وطاعته، واتبعوا أمر عدوّهم وعدوّ والدهم.
ويعني بقوله "وَإذْ قُلْنا للْمَلائِكَةِ": واذكر إذ قلنا للملائكة "اسْجُدُوا لاَدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ "فإنه استكبر وقال: "أأسْجُدَ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينا" يقول: لمن خلقته من طين... يفتخر عليه الجاهل بأنه خُلِق من نار، وخلق آدم من طين...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقاس {إبليس} في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه رأى الفضيلة لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما تكون حيث خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها... وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى، حين لحقته الأنفة، والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل: إن أول ما عصي الله بالحسد...
الأول: اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك. ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس.
الثاني: أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين: الكبر والحسد؛ أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق...
والثالث: أنه تعالى لما وصفهم بقوله: {فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء: 60] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس {لأحتنكن ذريته إلا قليلا} فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم، فهذا هو الكلام في كيفية النظم...
إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله: {فسجدوا إلا إبليس} وأما النوعان من القول؟ فأولهما: قوله: {أأسجد لمن خلقت طينا} وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتاً، وأخبر تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديداً، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلاً، وذلك بخلق آدم عليه السلام الذي هو أصلهم، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى: {إذ} أي واذكر أيضاً ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ {قلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء {للملائكة} حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه: {اسجدوا لآدم} امتثالاً لأمري {فسجدوا إلا إبليس} أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته، وذلك معنى قوله: {قال} أي لنا منكراً متكبراً: {ءأسجد} أي خضوعاً {لمن خلقت} حال كون أصله {طيناً} فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة، متخيلاً أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض، كما تقدمت الإشارة إليه في {ولقد فضلنا بعض النبيّن على بعض} [الإسراء:55].
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
فيه إشارة إلى عاقبة أولئك الذين عاندوا الحق واقترحوا الآيات وكذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنهم داخلون في الذرية الذين احتنكهم إبليس عليه اللعنة واتبعوه اتباع الظل لذويه دخولاً أولياً، ومشاركون له في العناد أتم مشاركة حتى قالوا: {إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء} [الأنفال: 32] فوجه مناسبة الآية لما قبلها ظاهر...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة الله في هذا الطين!...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والسجود كان لآدم بوصف الآدمية، فكأن الآدمية مكرمة لذاتها، والمهانة تعتريها من العصية.
ونشير هنا إلى أن السجود لا يكون إلا الله تعالى، لكن إذا كان الأمر بالسجود لغير الله من الله تعالى، فليس لأحد أن يعترض على هذا السجود؛ لأنه بأمر الله الذي يعلم أن سجودهم لآدم ليس عيباً وليس قدحاً في دينهم وعبوديتهم للحق سبحانه وتعالى؛ لأن العبودية طاعة أوامر... والمراد بالملائكة المدبرات أمراً، الذين قال الله فيهم: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله.. "11 "} (سورة الرعد): وقد أمرهم الله بالسجود لآدم؛ لأنه سيكون أبا البشر، وسوف يسخر له الكون كله، حتى هؤلاء الملائكة سيكونون في خدمته؛ لذلك أمرهم الله بالسجود له سجود طاعة وخضوع لما أريده منكم، إذن: السجود لآدم ليس خضوعاً لآدم، بل خضوعاً لأمر الله لهم...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
هَذِهِ الآيات تُشير إلى قضية امتناع إِبليس عن إطاعة أمر الله في السجود لآدم (عليه السلام)، والعاقبة السيئة التي انتهى إِليها. إنّ طرح هَذِهِ القضية بعد ما ذُكِرَ عن المشركين المعاندين هو إشارة ـ في الواقع ـ إلى أنَّ الشيطان يعتبر نموذجاً كاملا للاستكبار والكفر والعصيان. ثمّ انظروا إلى أين وَصلت عاقبته، لذا فإِنَّ مَن يتبعهُ سيصير إلى نفس العاقبة. إضافة إلى ذلك، فإنَّ إصرار الضالين عميان القلوب على مخالفة الحق، لا يعتبر مدعاةً للعجب والدهشة، لأنَّ الشيطان استطاع ـ وفقاً لما يُستفاد مِن هَذِهِ الآيات ـ أن يغويهم بواسطة عدَّة طرق، وَفي الواقع حقق فيهم قولته (لأغوينهم أجمعين إِلاَّ عبادك مِنهم المخلصين).
إِنَّ هَذِهِ السجدة التي أمر الله تعالى بها هي في الحقيقة نوع مِن الخضوع والتواضع بسبب عظمة خلق آدم (عليه السلام) وَتميزه عن سائر الموجودات، أو هي سجود للخالق جلّ وعلا في قبال خلقه لهَذا المخلوق المتميز...