أحاط بالناس : أحاطت بهم قدرته .
واذكر أيها النبي إذ أوحينا إليك أن ربك هو القادر على عباده ، فهم في قبضته ، فبلّغ رسالتك ولا تخف من أحد فهو يعصمك منهم ، فالله ناصرك ومؤيدك .
في صحيح البخاري والترمذي عن ابن عباس قال : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال : هي رؤيا عين أُريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسِرى به إلى بيت المقدس . ( والشجرة الملعونة في القرآن ) هي شجرة الزقوم ) .
فقد افتتن أناس من المسلمين ليلة الإسراء فارتدوا ، وقامت ضجة كبرى في مكة كما مر في أول هذه السورة ، وكان أبو جهل يقول : إن محمدا توعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنها تنبت شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجر ! ! وهؤلاء لا يعلمون أَنَّ الحياة الأخرى تختلف عن حياتنا كل الاختلاف ولكنهم ضلوا فلم يؤمنوا وفُتنوا بالإسراء ، وفتنوا بالشجرة .
ونخوف هؤلاء الضالين ، فما يزيدهم هذا التخويف إلا تماديا في الطغيان والضلال . والشجرة الملعونة ولا ذنب لها ، والمعنى ملعون آكلها ، وهذا التعبير كثير في كلام العرب .
{ وَإِذْ قُلْنَا } أي واذكر زمان قولنا بواسطة الوحي { لَكَ } يا محمد { إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس } أي علما كما رواه غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه فلا يخفى عليه سبحانه شيء من أحوالهم وأفعالهم الماضية والمستقبلة من الكفر والتكذيب .
وقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } إلى آخر الآية تنبيه على تحققها بالاستدلال عليها بما صدر عنهم عند مجيء بعض الآيات لاشتراك الكل في كونها أموراً خارقة للعادات منزلة من جناب رب العزة جل مجده لتصديق رسوله عليه الصلاة والسلام فتكذيبهم ببعضها يدل على تكذيب الباقي كما أن تكذيب الأولين بغير المقترحة يدل على تكذيبهم بالمقترحة ، والمراد بالرؤيا ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به من العجائب السماوية والآرضية كما أخرجه البخاري . والترمذي . والنسائي . وجماعة عن ابن عباس وهي عند كثير بمعنى الرؤية مطلقاً وهما مصدر أي مثل القربي والقرابة .
وقال بعض : هي حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلاً والمشهور اختصاصها لغة بالمنامية وبذلك تمسك من زعم أن الإسراء كان مناما وفي الآية ما يرد عبيه ، والقائلون بهذا المشهور الذاهبون إلى أنه كان يقظة كما هو الصحيح قالوا : إن التعبير بها إما مشاكلة لتسميتهم له رؤيا أو جار على زعمهم كتسمية الأصنام آلهة فقد روى أن بعضهم قال له صلى الله عليه وسلم لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك أو على التشبيه بالرؤيا لما فيها من العجائب أو لوقوعها ليلاً أو لسرعتها أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عيانا مع كونها آية عظيمة وأية آية وقد أقمت البرهان على صحتها إلا فتنة افتتن بها الناس حتى ارتد بعض من أسلم منهم { والشجرة } عطف على { الرءيا } أي وما جعلنا الشجرة { الملعونة فِى * القرءان } إلا فتنة لهم أيضاً .
والمراد بها كما روى البخاري وخلق كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم ، والمراد بلعنها لعن طاعميها من الكفرة كما روي عنه أيضاً ، ووصفها بذلك من المجاز في الإسناد وفيه من المبالغة ما فيه أو لعنها نفسها ويراد باللعن معناه اللغوي وهو البعد فهي لكونها في أبعد مكان من الرحمة وهو أصل الجحيم الذي تنبت فيه ملعونة حقيقة .
وأخرج ابن المنذر عن الحبر أنها وصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برؤس الشياطين والشياطين ملعونون . وقيل تقول العرب لكل طعام مكروه ضار : ملعون ، وروي في جعلها فتنة لهم أنه لما نزل في أمرها في الصافات وغيرها ما نزل . قال أبو جهل وغيره : هذا محمد صلى الله عليه وسلم يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر وما نعرف الزقوم إلا بالتمر بالزبد ، وأمر أبو جهل جارية له فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه تزقموا .
وافتتن بهذه المقالة أيضاً بعض الضعفاء ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً حيث كابروا قضية عقولهم فانهم يرون النعامة تبتلع الجمر وقطم الحديد المحماة الحمر فلا تضرها والسمندل يتخذ من وبره مناديل تلقى في النار إذا اتسخت فيذهب الوسخ وتبقى سالمة ، ومن أمثالهم في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار .
وعن ابن عباس أنها الكشوث المذكورة في قوله تعالى : { كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } [ إبراهيم : 26 ] ولعنها في القرآن وصفها فيه بما سمعت في هذه الآية ومر آنفاً ما مر عن العرب ، والافتتان بها أنهم قالوا عند سماع الآية : ما بال الحشائش تذكر القرآن ، والمعمول عليه عند الجمهور رواية الصحيح عن الحبر .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { والشجرة } بالرفع على الابتداء وحذف الخبر أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك { وَنُخَوّفُهُمْ } بذلك ونظائره من الآيات فإن الكل للتخويف ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي .
وقرأ الأعمش { *ويخوفهم } بالياء آخر الحروف { وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلاَّ طُغْيَانًا } تجاوزا عن الحد { كَبِيراً } لا يقادر قدره فلو أرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها فعلهم باخوانها وفعل بهم ما فعل بأمثالهم وقد سبقت كلمتنا بتأخير العقوبة العامة إلى الطامة الكبرى هذا فيما أرى هو الأوفق بالنظم الكريم واختاره في إرشاد العقل السليم .
وعن الحسن . ومجاهد . وقتادة . وأكثر المفسرين تفسير الإحاطة بالقدرة ، والكلام مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات المقترحة لمخالفتها للحكمة من نوع حزن من طعن الكفرة حيث كانوا يقولون : لو كنت رسولاً حقاً لأتيت بهذه المعجزة كما أتى بها من قبلك من الأنبياء عليهم السلام فكأنه قيل اذكر وقت قولنا لك ان ربك اللطيف بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته لا يقدرون على الخروج من ربقة مشيئته فهو يحفظك منهم فلا تهتم بهم وامض لما أمرتك به من تبليغ الرسالة ألا ترى أن الرؤيا التي أريناك من قبل جعلناها فتنة للناس مورثة للشبهة مع أنها ما أورثت ضعفاً لأمرك وفتوراً في حالك وبعضهم حمل الإحاطة على الإحاطة بالعلم إلا أنه ذكر في حاصل المعنى ما يقرب مما ذكر فقال : أي انه سبحانه عالم بالناس على أتم وجه فيعلم قصدهم إلى إيذائك إذا لم تأتهم بما اقترحوا ويعصمك منهم فامض على ما أنت فيه من التبليغ والإنذار ألا ترى الخ .
ولا يخفى أن ذكر الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم وأمره عليه الصلاة والسلام بذكر ذلك القول أنسب بكون الآية مسوقة لتسليته على الوجه الذي نقل ، وذكر التخويف وانه ما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً أوفق بما فسرت به الآية أولا ، وادعى بعضهم أنه لا يخلو عن نوع تسلية ، وقيل : الإحاطة هنا الاهلاك كما في قوله تعالى :
{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] والناس قريش ووقت ذلك الإهلاك يوم بدر ، وعبر عنه بالماضي مع كونه منتظراً حسبما ينبىء عنه قوله تعالى : { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] وقوله سبحانه : { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ } [ آل عمران : 12 ] وغير ذلك لتحقق الوقوع ، وأولت الرؤيا بما رآه صلى الله عليه وسلم في المنام من مصارعهم كما صرح به في بعض الروايات ، وصح أنه صلى الله عليه وسلم لما ورد ماء بدر كان يقول : والله لكؤني أنظر إلى مصارع القوم وهو يضع يده الشريفة على الآرض ههنا وههنا ويقول : هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان ، وهو ظاهر في كون ذلك مناما .
ويروى أن قريشاً سمعت بما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن بدر وما أرى في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون وهو المراد بالفتنة ، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكة وأخبر أصحابه فتوجه إليها فصده المشركون عام الحديبية وإليه ذهب أبو مسلم . والجبائي ، واعتذر عن كون ما ذكر مدنياً بأنه يجوز أن يكون الوحي باهلاكهم وكذا الرؤيا واقعاً بمكة وذكر الرؤيا وتعيين المصارع واقعين بعد الهجرة ويلزم منه أن يكون الافتتان بذلك بعد الهجرة وأن يكون ازديادهم ظغياناً متوقعاً غير واقع عند نزول الآية وكل ذلك خلاف الظاهر .
وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات عليه الصلاة والسلام وأنزل الله تعالى هذه الآية { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا } الخ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل . وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله تعالى إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت عينه وذلك قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا } الخ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت بني أمية على منابر الآرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتم عليه الصلاة والسلام لذلك فأنزل الله سبحانه { وَمَا جَعَلْنَا } الآية " وأخرج عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله تعالى في ذلك { وَمَا جَعَلْنَا } الخ والشجرة الملعونة الحكم وولده " وفي عبارة بعض المفسرين هي بنو أمية .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان بن الحكم : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك : إنكم الشجرة الملعونة في القرآن » فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم ، والكلام على ما قيل على حذف مضاف أي وما جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها ، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً وبذلك فسره ابن المسيب ، وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان ، ويحتمل أن يكون المراد ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلا فتنة ، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه ، وجعل ضمير { *نخوفهم } على هذا لما كان له أولاً أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أمية ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة والفروج المحصنة وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام ، وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كما زعمته الشيعة أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا والاخرة } [ الأحزاب : 57 ] وقال عز وجل { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم } [ محمد : 22 ، 23 ] إلى آيات أخر ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً أولياً لكن لا يخفى أن هذا لا يسوغ عند أكثر أهل السنة لعن واحد منهم بخصوصه فقد صرحوا أنه لا يجوز لعن كافر بخصوصه ما لم يتحقق موته على الكفر كفرعون ونمروذ فكيف من ليس كافراً ، وادعى السراج البلقيني جواز لعن العاصي المعين ونور دعواه بحديث الصحيحين " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فابت أن تجيء فبات غضبان لعنها الملائكة حتى تصبح " . وقال ولده الجلال بحثت مع والدي في ذلك باحتمال أن يكون لعن الملائكة لها بالعموم بأن يقول : لعن الله تعالى من باتت مهاجرة فراش زوجها ولو استدل لذلك بخير مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم بوجهه فقال : لعن الله تعالى من فعل هذا لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد فاعل جنس ذلك لا فاعل هذا المعين وغيه ما فيه ؛ واستدل بعض من وافقه لذلك أيضاً بما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال :
«اللهم العن رعلا . وذكوان . وعصية عصوا الله تعالى ورسوله » فإن فيه لعن أقوام بأعيانهم . وأجيب بأنه يجوز انه عليه الصلاة والسلام علم موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن إلا من علم موته عليه وهو كما ترى ، ولا يخفى أن تفسير الآية بما ذكر غير ظاهر الملاءمة للسياق والله تعالى أعلم بصحة الأحاديث ، وقيل الشجرة الملعونة مجاز عن أبي جهل وكان فتنة وبلاء على المسلمين لعنه الله تعالى ، وقيل مجاز عن اليهود الذين تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم في القرآن ظاهر ، وفتنتهم انهم كانوا ينتظرون لأبعثته عليه الصلاة والسلام فلما بعث كفروا به وقالوا : ليس هو الذي كنا ننتظره فثبطوا كثيراً من الناس بمقالتهم عن الإسلام .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وهذا حضّ من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، على تبليغ رسالته، وإعلام منه أنه قد تقدّم منه إليه القول بأنه سيمنعه من كلّ من بغاه سوءا وهلاكا، يقول جلّ ثناؤه: واذكر يا محمد "إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس "قدرة، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، ونحن مانعوك منهم، فلا تتهيّب منهم أحدا، وامض لما أمرناك به من تبليغ رسالتنا...
وقوله: "وَما جَعَلْنا الرّؤْيا التي أرَيْناكَ إلاّ فِتْنَةً للنّاسِ" اختلف أهل التأويل في ذلك؛ فقال بعضهم: هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أُسري به من مكة إلى بيت المقدس...
وقال آخرون: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أوّل هذه السورة.
وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عزّ وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلاّ فتنة للناس: يقول: إلا بَلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لمّا أُخبروا بالرؤيا التي رآها عليه الصلاة والسلام، وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم...
وأما قوله: "والشّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ" فإن أهل التأويل اختلفوا فيها؛ فقال بعضهم: هي شجرة الزّقّوم... عن ابن عباس، قوله "والشّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ" قال: هي شجرة الزقوم. قال أبو جهل: أيخوّفني ابن أبي كبشة بشجرة الزّقوم، ثم دعا بتمر وزُبد، فجعل يقول: زقمني، فأنزل الله تعالى: "طَلْعُها كأنّهُ رُءُوسُ الشّياطِين" وأنزل "ونُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ طُغْيانا كَبِيرا".
وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك... فتأويل الكلام إذن: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، والشجرة الملعونة في القرآن إلاّ فتنة للناس، فكانت فتنتهم في الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتدّ، وتمادِي أهل الشرك في شركهم، حين أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أراه الله في مسيره إلى بيت المقدس ليلة أُسريَ به. وكانت فتنتهم في الشجرة الملعونة ما ذكرنا من قول أبي جهل والمشركين معه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها؟
وقوله: "ونُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزيدُهُمْ إلاّ طُغْيانا كَبِيرا" يقول: ونخوّف هؤلاء المشركين بما نتوعدهم من العقوبات والنكال، فما يزيدهم تخويفنا إلاّ طغيانا كبيرا، يقول: إلاّ تماديا وغيا كبيرا في كفرهم وذلك أنهم لما خُوّفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالتمر والزبد، وقالوا: تزقموا من هذا...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الإيمانُ بما خَصَصْنَاكَ به امتحان لهم وتكليفٌ، ليتميزَ الصادقُ من المنافقِ، والمؤمنُ من الجاحد؛ فالذين تَدَارَكَتْهُم الحمايةُ وقفوا وثبتوا، وصَدَّقوا بما قيل لهم وحققوا. وأما الذين خَامَر الشكُّ قلوبهم، ولم تباشِرْ خلاصةُ التوحيد أسرارَهم، فما ازدادوا بما امتُحِنُوا به إلا تحيُّراً وضلالاً وَتَبَلُّداً...
وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} وفيه قولان:
القول الأول: المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته...
والقول الثاني: أن المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم... وفي هذه الرؤيا أقوال:
القول الأول: أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال:« والله كأني أنظر إلى مصارع القوم»...
والقول الثاني: أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم... اعترضوا على هذين القولين فقالوا: هذه السورة مكية، وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان. أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة...
والقول الرابع: وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء...
{ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر: اذكر أنا قلنا لك {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية} [يونس: 96] واذكر ما وقع من ذلك ماضياً من آيات الأولين وحالاً من قصة الإسراء، عطف عليه قوله تعالى: {وإذ} أي واذكر إذ {قلنا} على ما لنا من العظمة المحيطة {لك إن ربك} المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك {أحاط بالناس} علماً وقدرة، تجد ذلك إذ طبقت بعضه على بعض أمراً سوياً حذو القذة بالقذة لا تفاوت فيه، واعلم أنه مانعك منهم وحائطك ومظهر دينك كما وعدك؛ ثم عطف على {وما نرسل} قوله تعالى: {وما جعلنا} أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق {الرؤيا التي أريناك} أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي امتحاناً واختباراً {للناس} ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب، فنقيم بها عليهم الحجة، لا ليؤمن أحد ممن حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علماً بسرائرهم، ولا شك في أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناماً بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة والجماعة، وقد ورد في صحته ما لا يحصى من الأخبار -هذا النقل، وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه العقول، لكن لما كان على وفق العادة ألفته الطباع، فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع، وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات، على ما ألفوا من العادات، وأما أولو الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة، ونظروا بأعين البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك والملكوت، والشهادة والغيب، والخلق والأمر، فاعترفوا به، وأنه من عظيم الآيات، وبدائع الدلائل النيرات، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {فتنة} لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة، ولعله إنما سماه رؤيا- وهي للمنام -على وجه التشبيه والاستعارة، لما فيه من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما جعلنا الرءيا التي أريناك} الآية، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به.
ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به من في طبعه الحق ومن في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى الإسراء في ذلك فقال تعالى: {والشجرة} عطفاً على الرؤيا {الملعونة في القرءان} بكونها ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعوناً، وبكونها في دار اللعنة، وكل من له عقل يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضاً فتنة للناس نقيم بها عليهم الحجة في الكفر والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول وهو الإسراء {ونخوفهم} بالثاني وأمثاله {فما يزيدهم} أي الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة {إلا طغياناً} أي تجاوزاً للحد هو في غاية العظم {كبيراً} فيقولون في الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني: إن محمداً يقول: إن وقود النار الناس والحجارة، ثم يقول: إن فيها شجراً، وقد علمتم أن النار تحرق الشجر، ولم يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً قادر على أن يجعل في النار شجراً...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
أما الخوارق التي وقعت للرسول [صلى الله عليه وسلم] وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة. إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء.
(وإذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا).
ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول [صلى الله عليه وسلم] بعد حادثة الإسراء، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا. ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة "فتنة للناس "وابتلاء لإيمانهم. أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدا من الله لرسوله بالنصر، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه.
ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة. ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين. فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما: هاتوا لنا تمرا وزبدا، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا!
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا؟
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده. ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة. فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق. أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.. ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين. ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين. وظل القرآن -معجزة الإسلام- كتابا مفتوحا لجيل محمد [صلى الله عليه وسلم] وللأجيال بعده، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته. إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه. وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس} هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على حزنه من تكذيب قومه إياه، ومن إمهال عتاة أعداء الدين الذين فتنوا المؤمنين، فذكره الله بوعده نصرَه. وقد أومأ جَعْلُ المسند إليه لفظ الرب مضافاً إلى ضمير الرسول أن هذا القول مسوق مساق التكرمة للنبيء وتصبيره، وأنه بمحل عناية الله به إذ هو ربه وهو ناصره؛ قال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48]... و (إذ) متعلقة بفعل محذوف، أي اذكُرْ إذ قلنا لك كلاماً هو وعد بالصبر، أي اذكر لهم ذلك وأعدهُ على أسماعهم، أو هو فعل {اذكر} على أنه مشتق من الذُّكر بضم الذال وهو إعادة الخبر إلى القوة العقلية الذاكرة...
والإحاطة لما عدي فعلها هنا إلى ذات الناس لا إلى حال من أحوالهم تعين أنها مستعملة في معنى الغلبة... {التي أريناك} فإنه وصف للرؤيا ليُعلم أنها رؤية عين... وقيل: رأى أنه يدخل مكة في سنة الحديبية فرده المشركون... وقيل: هي رؤيا مصارع صناديد قريش في بَدر أريها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أي بمكة. وعلى هذين القولين فهي رؤيا نوم ورؤيا الأنبياء وحي... والفتنة: اضطراب الرأي واختلال نظام العيش، وتطلق على العذاب المكرر الذي لا يطاق... ويتعين أن يكون معنى جعل شجرة الزّقوم فتنة على هذا الوجه أن ذكرها كان سببَ فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله: {الملعونة في القرآن} لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعْن لها. ويجوز أن يكون المعنى: أن إيجادها فتنة. أي عذاب مكرر، كما قال: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} [الصافّات: 63]. والملعونة أي المذمومة في القرآن... ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال: في الشجرة الملعونة بنو أمية. وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباس، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت... وجيء بصيغة المضارع في {نُخوِّفهم} للإشارة إلى تخويف حاضر، فإن الله خوفهم بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا الله كشفه فقال تعالى: {إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون} [الدخان: 15] فذلك وغيره من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغياناً. فالظاهر أن هذه الآية نزلت في مدة حصول بعض المخوفات. وقد اختير الفعل المضارع في {نخوفهم} و {يزيدهم} لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده... والكبير: مستعار لِمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان...