الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ} (89)

قوله : { إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ } : فيه أوجهٌ ، أحدُها : أنه منقطِعٌ أي : لكنْ مَنْ أتى اللهَ بقَلْبٍ سليمٍ فإنه ينفَعُه ذلك . وقال الزمخشري : " ولا بُدَّ لك مع ذلك مِنْ تقديرِ مضافٍ وهو الحالُ المرادُ بها السلامةُ ، وليست من جنسِ المالِ والبنينَ ، حتى يَؤول المعنى إلى : أنَّ البنينَ والمالَ لا ينفعانِ ، وإنما ينفعُ سَلامةُ القلبِ ، ولو لم يُقَدَّرِ المُضافُ لم يَتَحصَّلْ للاستثناءِ معنى " .

قال الشيخ : " ولا ضرورةَ تَدْعُو ألى حذفِ المضافِ كما ذكر " . قلت : إنما قَدَّرَ المضافَ ليُتَوَهَّمَ دخولُ المستثنى في المستثنى منه ؛ لأنه متى لم يُتَوَهَّمْ ذلك لم يَقعِ الاستثناءُ ، ولهذا مَنَعوا : " صَهَلَتِ الخيلُ إلاَّ الإِبِلَ " إلاَّ بتأويلٍ .

الثاني : أنه مفعولٌ به لقوله : " لا يَنْفَعُ " أي : لا ينفعُ المالُ والبنونَ إلاَّ هذا الشخصَ فإنه ينفَعُه فإنه ينفَعُه مالُه المصروفُ في وجوهِ البِرِّ ، وبنوه الصلحاءُ ، لأنه عَلَّمهم وأحسنَ إليهم . الثالث : أنه بدلٌ مِن المفعولِ المحذوفِ ، أو مستثنى منه ، إذ التقديرُ : لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ أحداً من الناس إلاَّ مَنْ كانت هذه صفتَه . والمستثنى منه يُحْذَفُ كقوله :

3520 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولم يَنْجُ إلاَّ جَفْنَ سيفٍ ومِئْزرا

أي : ولم يَنْجُ بشيءٍ . الرابع : أنه بدلٌ مِنْ فاعلٍ " يَنْفَعُ " فيكون مرفوعاً . قال أبو البقاء : " وغَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ فيكون التقديرُ : إلاَّ مالُ مَنْ ، أو بنو مَنْ فإنه ينفع نفسَه وغيرَه بالشفاعة " .

قلت : وأبو البقاء خَلَط وجهاً بوجهٍ : وذلك أنه إذا أرَدْنا أن نجعلَه بدلاً من فاعل " ينفع " فلنا فيه طريقان ، أحدهما : طريقةُ التغليب أي : غَلَّبْنا البنين على المالِ ، فاستثنى من البنين ، فكأنه قيل : لا ينفعُ البنونَ إلاَّ مَنْ أتى مِن البنين بقلبٍ سليم فإنه ينفع نفسَه بصلاحِه ، وغيرَه بالشفاعةِ .

والطريقة الثانية : أَنْ تُقَدِّر مضافاً محذوفاً قبل " مَنْ " أي : إلاَّ مالُ مَنْ أو بنو مَنْ فصارَتِ الأوجُه خمسةً .

ووجَّه الزمخشريُّ اتصالَ الاستثناءِ ، بوجهين ، أحدُهما : إلاَّ حالَ مَنْ أتى اللهِ بقلبٍ سليمٍ ، وهو مِنْ قوله :

3521 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

" وما ثوابُه إلاَّ السيفُ " ومثاله أن يقال : هل لزيدٍ مالٌ وبنون ؟ فيقال : مالُه وبَنُوه سلامةُ قلبِه . تريد نَفْيَ المالِ والبنين عنه ، وإثباتَ سلامةِ قلبِه بدلاً عن ذلك . والثاني قال : " وإن شِئْتَ حَمَلْتَ الكلامَ على المعنى وجَعَلْتَ المالَ والبنين في معنى الغِنَى ، كأنه قيل : يومَ لا يَنْفع غِنَى إلاَّ غَنى مَنْ أتى ، لأنَّ غِنى الرجلِ في دينِه بسلامةِ قلبِه ، كما أنَّ غِناه في دنياه بمالِه وبنيه . " .