ذكر شيئا من تعنتهم وعنادهم الدال على عظيم جحودهم . إذا قالوا : إننا نطلب أن تُنزّل آية معجزة على محمد كدليل مادي من ربه تشهد بصدق دعوته .
قل لهم أيها الرسول : إن الله قادر على أن ينزل أي دليل تقترحونه ، ولكن أكثركم لا تعلمون حكمة الله في إنزال الآيات . إنها ليست تابعة لأهوائكم ، ولو أجاب مقترحاتكم ثم كذبتم بعد ذلك لأهلككم ، لكن أكثركم لا يعلمون نتائج أعمالهم .
{ وَقَالُواْ } أي رؤساء قريش الذين بلغ بهم الجهل والضلال إلى حيث لم يقنعوا بما شاهدوه من الآيات التي تخر لها صم الجبال ولم يعتدوا به { لَوْلاَ } أي هلا { نزَّلَ } أي أنزل { عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } ملجئة للإيمان { قُلْ } يا محمد { إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً } من الآيات الملجئة { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور قدرته سبحانه وتعالى عليه لما أن في تنزيلها قلعاً لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار أو استئصالاً لهم بالكلية إذ ذلك من لوازم جحد الآية الملجئة وجوز أن لا يكونوا قد طلبوا المجيء ولا يلزم من عدم الاعتداد بالمشاهد طلبه بل يجوز أن يكونوا قد طلبوا غير الحاصل مما لا يلجئ لجاجاً وعناداً ، ويكون الجواب بالملجئ حينئذ من أسلوب الحكيم أو يكون جواباً بما يستلزم مطلوبهم بطريق أقوى وهو أبلغ .
و ( من ) لابتداء الغاية . والجار والمجرور يجوز أن يكون متعلقاً بنزل ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لآية . وما يفيده التعرض لعنوان ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق التعريض بالتهكم من جهتهم . والاقتصار في الجواب على بيان قدرته سبحانه وتعالى على التنزيل مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله تعالى للآية مع قدرته عليه بحكمة بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون كما ينبىء عنه الاستدراك ، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة مع الإشعار بالعلية ، ومفعول { يَعْلَمُونَ } إما مطروح بالكلية على معنى أنهم ليسوا من أهل العلم أو محذوف مدلول عليه بقرينة المقام أي لا يعلمون شيئاً . وتخصيص عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعناداً . وقرأ ابن كثير { يُنَزّلٍ } بالتخفيف ، والمعنى هنا كما قيل واحد لأنه لم ينظر إلى التدريج وعدمه .
ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى تذرع بها المشركون تعنتا ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم ، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ . . . } .
و { لَوْلاَ } هنا تحضيضية بمعنى هلا ، والمعنى : وقال أولئك الكافرون : هلا نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار ، وفلق البحر ، ونزول الملائكة معك . . . إلخ .
فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة للنبى صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء السابقين .
وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه ، حتى لكأنه لم ينزل عليه شىء عنادا وجحودا منهم .
وفى قولهم - كما حكى القرآن عنهم - { لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب ، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى ، لأنه إذا كان رسولا من عنده ، فليجب له هذا الطلب الذى نتمناه ونكون من بعده مؤمنين .
وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله : { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .
أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله - تعالى - قادر على تنزيل ما اقترحوا من آيات ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ، ولكنه - سبحانه - ينزل ما تقتضيه حكمته ، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئاً من حكم الله فى أفعاله ، ولا من سننه فى خلقه .
وقوله - تعالى : { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التى اقترحوها ، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص فى الدليل ولكنه عن تكبر وجحود .
قوله تعالى : { وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 37 ) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثلكم ما فرطنا في الكتب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ( 38 ) والذين كذبوا بئايتنا صم وبكم في الظلمت من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صرط مستقيم } .
قوله : { وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه } يحكي الله جل جلاله مقالة المشركين السفهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قالوا : لولا ، أي هلا نزل ، أي أنزل على محمد آية من ربه أي علامة تكون له حجة كأن ينزل عليه ملك يشهد له بالنبوة ، أو يلقى إليه كنز يغنيه من الفقر أو تكون له جنة يأكل منها . وذلك بالرغم من كثرة ما رأوه من الدلائل الساطعة على صدق نبوة هذا الرسول الكريم . وعلى رأس ذلك كله هذا القرآن الحكيم المعجز الذي ما زال قائما للناس أبد الدهر عاجزين أن يأتوا بسورة من مثله . ثم أمر الله نبيه أن يقول لأصحاب هذه المقالة من المشركين المعاندين : { إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي أن الله قادر على إنزال آية أو حجة كما يريدون فهو سبحانه لا يعجزه شيء من ذلك { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي أن أكثر هؤلاء الضالين الفاسقين الذين يسألون مثل هذه الآية أو العلامة لا يعلمون ما سوف يحيق بهم من البلاء والاستئصال لو أنهم أنزل عليهم ما سألوه ثم لم يؤمنوا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.