تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (161)

دينا قيما : دين يقوم به أمر الناس في معاشهم . وفي قراءة : «قيما » بفتح القاف وتشديد الياء : ومعناه أيضا : مستقيم ، ومنه قوله تعالى : { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } يعني دين الأمة المستقيمة .

حنيفا : مخلصا لعبادة الله .

نسكي : عبادتي .

محياي ومماتي : كل ما آتيه في حياتي ، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح .

أبغي : أطلب .

الوزر : الحمل الثقيل والإثم . ومعنى «لا تزر وازرة وِزْرَ أخرى »

لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره .

خلائف : خلفاء ، مفرده خليفة .

ليبلوكم : ليختبركم .

لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين ، مع إقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها ، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم ، جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها . وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هو ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون ، وما حرّفه أهلُ الكتاب . وأن النبي عليه الصلاة والسلام مستمسكٌ به ، معتصِمٌ بحَبْله ، يدعو إليه قولاً وعملا . وأنه هو الذي أكمل الدينَ بعد أن انحرفت الأمم السابقة عنه .

ثم بيّن أن الجزاء عند الله على الأعمال ، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره ، وأن المرجعَ إلى الله ، فهو الذي يستخلف في الأرض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم ، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين ، فلا واسطة بينه وبين عباده .

قل أيها النبي لقومك ولسائر البشر : إن ربّي أرشدني إلى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه إبراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده ، مائلاً عن العقائد الباطلة ، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (161)

{ قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يبين ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعي المفرقون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية ، وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونها ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لما مر غير مرة أي قل يا محمد لهؤلاء المفرقين أو للناس كافة : أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصل إلى الحق . وقوله سبحانه : { دِينًا } بدل من محل { إلى } إذ المعنى فهداني صراطاً نظير قوله تعالى : { عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 2 ] أو مفعول فعل مضمر دل عليه المذكور أي هداني أو أعطاني أو عرفني ديناً ، وجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للمذكور . وقوله سبحانه : { قَيِّماً } مصدر كالصغر والكبر نعت به مبالغة . وجوز أن يكون التقدير ذا قيم ، والقياس قوماً كَعِوَض وحِوَل ، فأَعِلَّ تبعاً لإعلال فعله أعني قام كالقيام . وقرأ كثير { قَيِّماً } وهو فيعل من قام أيضاً كسيد من ساد وهو على ما قيل أبلغ من المستقيم باعتبار الهيئة والمستقيم أبلغ منه باعتبار مجموع المادة والهيئة ، وقيل : أبلغية المستقيم لأن السين للطلب فتفيد طلب القيام واقتضاءه ، ولا فرق بين القيم والمستقيم في أصل المعنى عند الكثير ، وفسروا القيم بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد ، وجعلوا المستقيم من استقام الأمر بمعنى ثبت وإلا لا يتأتى ما ذكر ، وقيل : المستقيم مقابل المعوج والقيم الثابت الذي لا ينسخ .

{ مِلَّةِ إبراهيم } نصب بتقدير أعني أو عطف بيان لديناً بناء على جواز تخالف البيان والمبين تعريفاً وتنكيراً { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة أو مخلصاً لله تعالى في العبادة وهو حال من إبراهيم ، وقد أطبقوا على جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً منه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه . والعامل في هذه الحال هو العامل في المضاف . وقيل : معنى الإضافة لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجر ، وقد تقوى هذا المعنى هنا بما بين المتضايفين من الجزئية أو شبهها . وجوز أن يكون مفعولاً لفعل مقدر أي أعني حنيفاً .

{ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } اعتراض مقرر لنزاهته عليه الصلاة والسلام عما عليه المبطلون ، وقيل : عطف على ما تقدم . وفيه رد على الذين يدعون أنهم على ملته عليه الصلاة والسلام من أهل مكة القائلين : الملائكة بنات الله واليهود القائلين : عزيز ابن الله والنصارى القائلين : عيسى ابن الله .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو طريق التوحيد الذاتي { دِينًا قِيَمًا } ثابتاً لا تنسخه الملل والنحل { مِلَّةِ إبراهيم } التي أعرض بها عن السوى { حَنِيفاً } [ الأنعام : 161 ] مائلاً عن كل دين فيه شرك